
إنّ الكثيرين ممن تعاطوا الشّأن العام، عندنا، ويتعاطون من أصحاب الألقاب، يدّعون بأنّهم مُنهمكون بإيجاد الحلول النّاجعة لكتلة الأزمات التي لا يُرى منها معهم، سوى انسداد الأفق، لكنهم لم يهتمّوا بمقاربة هذه الأزمات، بقدر ما كانوا يسعون، كالوصوليّين والإلغائيين، الى تضخيم أخطاء منافسيهم، وشوائب خصومهم، من دون طرح ما ينبغي من رؤًى وتصوّرات لحلول، هذا إنْ وُجدت عندهم، أصلًا. هذه هي التّركيبة المُشينة التي لم يستسلم لها سمير جعجع، الحكيم الحكيم، ولم يشارك في اقتناص جوائزها، والمُحاصصة في مشاريعها المُلتوية، وسمسراتها المشبوهة.
وبذلك، كان دائمًا “واقفًا” أمام جماهيره، زعيمًا نزيهًا، بعيدًا عن الشّعبويّة العابرة والرّخيصة، فهو وحده، لم يعتبر الحشود احتياطيّي تصفيق، لأنّ شيئًا من الحُلول العجيب كان يُعنْونُ الارتباط المُذهل للناس بهذا العملاق.
لقد امتدّ اسمُ سمير جعجع على مساحةٍ زمنيّة من عمر لبنان، بنقاء ونزاهة، من دون زغل، لأنه كان أنموذج ثقافة الانتماء الى الوطن، هذا الوطن الذي تماهى معه الحكيم، لأنه آمن به تذكرة للكرامة والحريّة ورحلةً على القمم، في حين نحره الأقربون قبل الأغراب، بالتبعيّة والارتهان، ما حوّله أرضًا قابلةً لإعادة النّظر بعيد الجلاء.
لم يُروّج سمير جعجع لعقيدة مستوردة، ولم يبثّ أيديولوجية الولاء لفكرٍ هجين، كوُكلاء الخارج المُتنكّرين للهوية والأرض، لقد كان نافذة لتمرير عزّة النّفس الوطنيّة وشهادة للسيادة في سوق السّكاكين المأجورة. لم يصمُتْ، في ضجيج الكفر بالوطن، وواجه مشروع سحق البلاد، ورفض أن تعبرها أنيابُ الأغلال والأشواك، فعلّمنا بذلك، أن نصنع من جراحنا درعًا يصفع الانهزام ويحصّن الكيان المقدّس، ولو على كلّ شبر من الأرض شهيد.
سمير جعجع انبرى للدفاع عن النموذج اللبنانيّ الفريد حلاًّ للتعدّدية، لأنه كان مؤمنًا بالديمقراطية الحاضنة للحقوق والحريّات، في مقابل أنظمة بائدة قمعيّة توتاليتاريّة تفتك بشعوبها وتُشلّعُ بلدانها وتقدّمُ سيلًا من الأضاحي فوق مسرح استمرار مُحتكريها في السلطة. كما قدّم الحكيم الرّجُل، درسًا في الإخلاص لوطنٍ حرٍ سيّدٍ، ذي أنفةٍ طبيعية لرفض البربرية والرّضوخ لظروف الظّلم، وذلك، بكتابة فصل الكرامة والاستقلال بالحبر الأحمر.
سمير جعجع الجريء مناقبيٌّ مناضل، شكّل رأس حربة دفاعًا عن حقّ الوطن ودفع ضريبة الولاء بالأسر لا بالسّجن، واستُشهد رفاقٌ له يُدانون بما بذلوا، نُبل القدّيسين، وبينهم جزءٌ من روحه. وعلى الرّغم من ذلك، ظل الولاءُ هو الثّابت الأساس الذي يربطُ جعجع بلبنان، ومحورُهُ لا يتحرّك مهما تقلبت الظّروف. من هنا، كان هذا الحكيم الأبيّ، حيثُ تتواجد الكرامة بكثافة الخميرة لعجينة الأجيال، ولمّا يزل.
أمام مشهد “الوطنجيّين” الذين أمعنوا في تشويه صورة البلاد، ولم يكونوا في الواقع سوى النكبة الحقيقيّة لها، كان سمير جعجع عن حقّ، حارس الدّستور وتولّى الحرص على استمرارية كيان الدولة، وكانت له الكلمةُ الوازنةُ في المفاصل الدقيقة التي كان مصيرُ لبنان معها، على المحكّ. لذلك، استظلّهُ الناس، قائدًا موثوقًا ورمزًا أمينًا ومُرتكزًا متينًا للوجود الرّاسخ في هذه الأرض المقدسة، مشدودين إليها كما الفلذة الصّخرية، يحكم بينها وبينهم تلازم لا يُنهيه إلّا الأبد.
سمير جعجع لم ينتم الى الظّلمة، لأنه التجأ الى الله والى الإيمان بلبنان، ونسج بإيقاعات روحه تلاحمًا صافيًا عنفوانيًّا مع قيم المواطنة، هذه التي استُشهد كُثُرٌ لافتدائها لكي يصبح لنكهة الوطن طعْم.
يا حكيم، الرّجالُ العظامُ، كأنت، ليسوا بحاجةٍ لغير اسمهم…