
قبل أن ينقشع غبار الحملات المستعرة والردود المسعورة السريعة التي سبقت قراءة أو حتى سماع حرفٍ من كلمة رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع التي ألقاها في مناسبة قداس شهداء المقاومة اللبنانية في معراب في 7 أيلول من العام 2025، لمس البعيدون قبل الأقربين، الخصوم قبل المؤيدين، الأعداء قبل الحلفاء، المتربصون شرًّا بالقوات وسمير جعجع قبل القواتيين، ثباتًا واستمرارًا ومسارًا وطريقًا واحدًا، ولازمة تكررت في خطابات رئيس القوات في مناسبة تكريم الشهداء في التشديد على ضرورة قيام الدولة، منذ أول قداس أقيم بعيد توقيع اتفاق الطائف وتحديدًا قداس شهداء القوات في سيدة لبنان في حاريصا في 15 أيلول من العام 1991 وصولًا الى ما سمعناه في خطاب السابع من أيلول من العام الحالي.
لم يخف هذا الثبات وذاك المسار ولم تغب تلك اللازمة عن الخطابات التي كانت تلي قداديس الشهداء، كما لم يفارق هذا الهدف يومًا من الأيام الـ4114 التي قضاها الحكيم في سجن ظلمه، فكره، نضاله ومقاومته، وحضر بقوة في خطاب الحرية الذي أطلقه الدكتور سمير جعجع من مطار رفيق الحريري الدولي يوم خروجه من المعتقل.
لم يكن خطاب إعلان عودة الدولة الى الوطن في هذا السابع من أيلول، الا صدى لما نبّه اليه في قداس الشهداء في 15 أيلول من العام 1991، حيث قرأ واستقرأ واستنتج انقلابًا سوريًا على الدولة وانقضاضا عليه وتقويضًا لها ولدورها، إذ أتى الخطاب الحالي استجابة لما رآه يومها بقوله: “مهلًا مهلًا أيها السادة، فللتاريخ تاريخ مشهود، فهو يمهل ولا يهمل، يغض الطرف أحيانًا لكنه لا ينسى، يتغاضى لبعض الوقت لكنه لا يرحم”.
موصّفًا يومها اداء المحتل السوري بحق، تمامًا كما يوصّف اليوم ما الحقه سلاح “الحزب” بالدولة وبمواطنيها بكشفه: “لقد انقضّوا جميعًا على فرصة السلام والوفاق، وهم يتناتشونها على موائد مصالحهم الذاتية، ويتشاتمون من أجل تقاسمها. ولو كان الأمر كله بيدهم لأضاعوها، وأضاعوا معها سانحة تاريخية ذهبية تسنت للبنان.
أهذه هي الجمهورية التي دغدغت أحلامنا، ومنينا بها النفس والآمال؟
أهذه هي الجمهورية الثانية التي يفترض أن تأتي بعد الأولى، فجاءت قبلها بقرون وأعادتنا إلى ذهنية العصور الحجرية؟… هل يستطيع أحد أن يسمي لنا واحدة من المجموعات الأساسية التي يتكوّن منها لبنان، راضية بما يجري؟ ونسأل كل من يتابع بيانات الأحزاب والقوى السياسية الرئيسية في البلاد أن يدلنا على واحدة منها، تعلن قبولها الوضع القائم على الساحة اللبنانية… هل بسطت الدولة سيادتها على كامل التراب اللبناني، وتبسيطًا هل هي في الطريق إلى بسط هذه السيادة؟ كلا، علمًا أن الدولة اكتفت ببعض البطولات والعنتريات على بعض اللبنانيين الطيبين في صيدا، وعاليه، وكسروان، وبشري، وزغرتا، وتركت ما هو أبعد من صيدا، وزغرتا، للمجهول… لقد أيدت “القوات اللبنانية” مبادئ الوفاق الوطني كما أقرّت في الطائف كمدخل لفتح صفحة جديدة في لبنان. واستبدال لغة العنف التي لم ولن تؤدي إلى أي نتيجة بلغة التعقل والحوار التي هي وحدها الكفيلة بإيصالنا إلى لبناننا المنشود. لكن، ويا للأسف جرى التلاعب بشكل فاضح بمبادئ الوفاق ومسيرته، مما جعله عملية فارغة من أي مضمون، قاصرة عن أي حل، عاجزة عن أي تقدّم… إن لبنان لا يستطيع أن يسير عكس التاريخ، ومسيرة النظام الدولي الجديد ستؤثر حكمًا في الأوضاع القائمة في بلادنا. فلنستعد جميعًا، ونعمل بكل ما أوتينا من قوة، لإعادة مسيرة الوفاق إلى جوهرها وروحها الأصيلة وترجمتها لبنان جديدًا، بانسجام تام مع رياح التحرر الدولي. إن ما يجري في لبنان لا يعبرّ أبدًا عن طموحاتنا، وعن الاتجاهات العالمية الجديدة. لذلك لن نسكت، لن نرتاح، لن نستكين حتى الوصول إلى لبناننا المنشود”.
صحّ في خطاب العام 1991 وما تلاه من خطابات واداء وأدبيات قواتية في مناسبات مماثلة ومختلفة كما قرأنا، قول الإمام علي بن أبي طالب: “لا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه”… إذ كان صوت القوات يومها صارخًا وحيدًا في برية الاحتلال والاختلال، قبل أن تلاقيه أصوات الكثيرين في لعن هيمنة وغطرسة وسلطة السلاح”.
أمام غلو المتضررين الحاملين المتحاملين على القوات ورئيسها وخطابه قبل أن يقرأوه، وأمام الحملات والتهديدات لإيقاف عجلات عودة الدولة واستعادتها لقرارها، يبرز أيضًا ما استشهد به سمير جعجع مناشدًا المضلَّلين من الطائفة الشيعية ومضلِّليهم على السواء بأن “عودوا إلى لغة العقل، وتعقّلوا وشاوروا وتذكّروا كلام الإمام عليّ: من شاور الرّجال شاركها في عقولها، وأعقل النّاس من أضاف عقول النّاس على عقله”.
وذلك نقيضًا وإدانة للمدرسة والنهج الذي قال به مدعو الإمامية الاثني عشرية ومدعو حماة حقوق الطائفة الشيعية على لسان أمين عام “الحزب” الراحل نصرالله الذي قال في 11 تشرين الثاني من العام 2013: “عندما نأخذ القرار، أو نمشي في أي درب، أو ندخل إلى أي ساحة، أو إلى أي ميدان أو إلى أي قتال، نحن لا نلجأ إلى عقولنا، ولا إلى علومنا ولا إلى مستوانا العلمي، ولا إلى ولا إلى… نحن نلجأ إلى فقهائنا وكبارنا ومراجعنا، الذين هم على أعلى مستوى من الفقاهة والعلم والاجتهاد والتقوى والورع والأمانة والوعي أيضًا”، مخالفًا تعاليم الإمام علي بن ابي طال، كما تعاليم الإمامين موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين واللذين استشهد بهما أيضًا خطاب الدولة للدكتور سمير جعجع.
.jpg)