شهدت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط وآسيا خلال الساعات الماضية انقطاعات كبيرة في خدمات الإنترنت، نتيجة تعرض عدة كابلات بحرية في البحر الأحمر لأعطال مفاجئة. وأدى الحادث إلى إعادة طرح تساؤلات جدية حول هشاشة البنية التحتية الرقمية العالمية واعتمادها الكبير على الكابلات البحرية.
دول متأثرة وشبكات متضررة
وفقًا لبيانات منظمة Netblocks المتخصصة في مراقبة الإنترنت، فقد تأثرت دول عدة بالحادث، أبرزها: باكستان، الهند، تركيا، الإمارات والكويت. وقد عانى المستخدمون من بطء واضح في سرعات الاتصال، بينما واجهت شبكات مزوّدي الخدمة الرئيسيين في الإمارات، مثل اتصالات ودو، انقطاعات ملحوظة.
البحر الأحمر… شريان رقمي عالمي
تُعدّ الكابلات البحرية العمود الفقري للإنترنت العالمي، إذ تربط القارات ببعضها وتنقل معظم حركة البيانات الدولية. ويُعتبر ممر البحر الأحمر أحد أهم الممرات الاستراتيجية، إذ يربط آسيا والشرق الأوسط بأوروبا. لذلك، فإن أي عطل فيه ينعكس سريعًا على دول عدة، نظرًا إلى الترابط الوثيق بين الشبكات العالمية.
الكابلات المتضررة
أشارت تقارير Netblocks إلى أن الانقطاع شمل أنظمة الكابلات التالية قرب سواحل جدة في السعودية:
كابل SMW4: بطول 18,800 كيلومتر، دخل الخدمة عام 2005 بتكلفة 500 مليون دولار، ويربط فرنسا وإيطاليا بعدد من الدول الآسيوية والأفريقية بينها مصر والسعودية والإمارات وباكستان والهند.
كابل IMEWE: يمتد لمسافة 12,091 كيلومترًا، بتكلفة 480 مليون دولار، يربط فرنسا وإيطاليا بالهند مرورًا بالشرق الأوسط.
إضافة إلى كابل FALCON GCX الذي أعلنت الكويت تعطل جزء منه، ما تسبب في اضطرابات إضافية محلية.
تداعيات على الخدمات السحابية
لم يقتصر الأثر على المستخدمين الأفراد، بل شمل كذلك الشركات العالمية. فقد أكدت مايكروسوفت أن بعض مستخدمي منصتها السحابية Azure واجهوا زيادة في زمن الاستجابة بسبب هذه الأعطال. وأوضحت الشركة أن إصلاح الكابلات البحرية قد يستغرق وقتًا طويلًا، مؤكدة استمرارها في إعادة موازنة المسارات لتقليل تأثير الانقطاع، رغم أن ذلك يسبب بطئًا في بعض المناطق المتأثرة.
تجدر الإشارة إلى أن Azure تُعد ثاني أكبر مزود عالمي للحوسبة السحابية بعد أمازون ويب سيرفيسز (AWS).
أسباب محتملة
حتى الآن، لم يُعرف السبب الدقيق لانقطاع الكابلات. غير أن الخبراء يشيرون إلى أن نحو 80% من أعطال الكابلات البحرية تعود إلى أنشطة بشرية عرضية، مثل الصيد أو مراسي السفن، بينما تعود النسبة المتبقية إلى كوارث طبيعية.
لكن في ظل التوترات الإقليمية، طُرحت فرضيات بوجود استهداف متعمد. ووجّهت بعض الأصابع نحو الحوثيين في اليمن الذين يشنون هجمات في البحر الأحمر للضغط على إسرائيل. ورغم نفي الحوثيين أي علاقة لهم بالحادثة، تبقى الشكوك قائمة نظرًا إلى حساسية الموقع وأهميته الإستراتيجية.
الحاجة إلى حماية أكبر
تؤكد هذه الحادثة هشاشة البنية التحتية الرقمية العالمية، وتعكس الحاجة إلى:
زيادة الاستثمارات في تأمين الكابلات البحرية.
تطوير خطط طوارئ أكثر فاعلية لتقليل الأثر على المستخدمين.
تعزيز التعاون الدولي لمراقبة وحماية الممرات الاستراتيجية مثل البحر الأحمر.
أعادت هذه الأزمة التذكير بأن العالم الرقمي، رغم ضخامته وتعقيده، لا يزال يعتمد على شبكة حساسة من الكابلات البحرية، وأن أي خلل فيها يمكن أن يشلّ الاتصالات عبر قارات بأكملها، لتبقى أمن الإنترنت العالمي قضية مفتوحة على نقاشات استراتيجية وسياسية واقتصادية واسعة.
