Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ تنبيهات جعجع “الحكيمة” وانتحار “الحزب”! (جورج حايك)

يُجمع اللبنانيون الحريصون على الدولة على أهمية كلمة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الأحد الفائت، لما تضمنته من مفاهيم سياسية تعكس الواقع اللبناني، ورؤية دقيقة للمسار “الدولتي” الذي بدأ يتبلور منذ الجلسة الحكومية في 5 آب الفائت، وصولاً إلى جلسة 5 أيلول الجاري التي استكملت خطوات أساسية لنهوض الدولة عبر إقرار خطة الجيش لحصر السلاح، وتحديدًا سلاح “الحزب” الذي أغرق لبنان بكوارث لا خلاص منها إلا بمنطق الدولة والتحرر من سطوة السلاح الإيراني.

كلمة جعجع السيادية بامتياز لم تُرضِ “الحزب”، لأن مشروعه لا ينسجم مع منطق الدولة القوية، بل يقوم على فائض القوة في الداخل بعدما سقطت أسطورة “قوة الردع” التي أوهم اللبنانيين بها لعقود. وما كلام “الحكيم” غير التقليدي إلا حلقة من سلسلة تنبيهات استشرافية بدأها منذ ربيع 2004، وتحديدًا في 27 نيسان 2024، حين نظّم مؤتمر “1701 دفاعًا عن لبنان”. ولو أصغى “الحزب” يومها إلى تنبيهات معراب، لكان وفّر على لبنان والجنوب تدميرًا واسعًا وخسائر بشرية جسيمة، ولتجنّب مقتل السيد نصرالله وعدد من قياداته السياسيين والعسكريين.

تنبيه معراب الأول سبق الأحداث الكارثية، وحذّر من استدراج لبنان إلى حرب بفعل مواجهة “الحزب” مع إسرائيل دعمًا لغزة. يومها طالبت “القوات” بتطبيق القرار 1701 ونشر الجيش في الجنوب، لكن “الحزب” هاجم اللقاء وخوّنه، فكانت النتيجة أن إسرائيل شنّت عمليات عسكرية كبرى خلال آب وأيلول وتشرين دمّرت الضاحية والبقاع وبعلبك والجنوب، وأفقدت “الحزب” قدراته.

أما لقاء معراب الثاني، في 12 تشرين الأول 2024 تحت عنوان “دفاعًا عن لبنان 1701 و1680 و1559″، فكان أكثر وضوحًا في تنبيهاته. دعا جعجع يومها إلى خريطة طريق تهيّئ لمرحلة انتقالية تُخرج لبنان من الحرب بانتخاب رئيس يلتزم تنفيذ القرارات الدولية. وعلى الرغم من حملات “الحزب”، أثبتت التطورات صوابية هذا الطرح، إذ تحققت معظم النقاط: وقف إطلاق النار، انتخاب رئيس للجمهورية هو جوزيف عون، وتبنٍّ واضح للدستور والقرارات الدولية، وتكليف الجيش مهمة حصرية السلاح. وبذلك، بدا أن رئيس الجمهورية تبنّى عمليًا مقررات لقاء معراب، مؤكّدًا أن القرار الاستراتيجي للدولة وحدها.

والمفارقة، أن “الحزب” رضخ لهذه الوقائع صاغرًا، لكنه احتفظ بعدائه تجاه “القوات” والفريق السيادي، ممعنًا في التخوين والتهديد، ما يطرح علامات استفهام حول مفهومه للتعايش.

خطاب جعجع الأخيرـ بمناسبة إحياء ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، جاء في السياق ذاته، صريحًا في تشخيص المرحلة ومنبّهًا إلى أخطار مقبلة، داعيًا “الحزب” إلى أخذ هذه التنبيهات على محمل الجدّ. فهو مصمّم على استكمال مسيرة استعادة الدولة، وقطع الطريق على أي قرار خارج المؤسسات. وهذا يعني أن دويلة “الحزب” انتهت، وقرار السلم والحرب عاد إلى الحكومة، فيما سلاحه فقد مبرّرات وجوده.

جعجع يرى أن اللبنانيين يخوضون اليوم المعركة الأخيرة ضد السلاح غير الشرعي، وأنها ستكون صعبة. صارحهم بأن إسرائيل لن تنسحب من الجنوب إلا بعد تسليم السلاح، وحذّر “الحزب” من مغبة ترجمة تهديداته بحرب أهلية، لأن الجيش سيواجه أي تمرّد، مدعومًا من الشعب. وفي حال اندفع “الحزب” إلى الداخل، سيكون الخاسر الأكبر، إذ سيدمّر بيئته ويكرر كارثة خسارته أمام إسرائيل. وقد لخّص جعجع الأمر بقوله: “حربكم في الداخل، أياً تكن، ستكون خاسرة ومدمّرة أكثر، وستخسرون كل شيء”.

جعجع لا يكتفي بالتنبيه، بل يرسم الحل: تسليم السلاح والانخراط في مشروع الدولة. هذه الخطوة حتمية، وإن تأخّر “الحزب” في الإقدام عليها، فسيدفع ثمنًا باهظًا. والأهم أن جعجع بدا أكثر رأفة بالشيعة من “الحزب”، معتبرًا أن عزّتهم وكرامتهم من عزّة لبنان وكرامته.

لقد أدرك المسلمون السُّنّة بعد سنوات أن “القوات اللبنانية” وجعجع ليسوا أعداء بل شركاء في مشروع الدولة، فهل يحتاج الشيعة المقرّبون من “الحزب” إلى سنوات أخرى ليصلوا إلى هذه الحقيقة؟. ربما لا، لأن خطاب جعجع في قداس الشهداء 2025 شكّل صدمة لكثيرين، وأسقط القناع الذي يضعه “الحزب” لتصوير “القوات” عدوًّا وهميًا يبرّر به استمرار سلاحه.​

Exit mobile version