
كانت ليلة عيد ميلاد العذراء مريم. في معراب كانت عيون الأمهات تدمع. توقّف الحزن الصارخ!… توقّف الحزن وصار الدمع رقراق ناعم، دمع الرجاء والفخر والعنفوان. كانت ليلة عيد ميلاد العذراء مريم، في معراب كانت عيون الآباء تضحك، يحملون صور شهدائهم ويتلمسون الصور ويضحكون! وهل يبتسم أب لشهادة ابن رحل؟ كانت بسمة الامتنان للمسيح أنه جعل ابنهم بطلًا وأسكنه جواره، ومع الحزن سكن الفخر والرجاء قلب البيت. كانت ليلة عيد ميلاد أم الله، وفي ساحة معراب كان الرب يسرح فوق مذبحه يعلن الحب على الشهداء وأهاليهم، وهم يعلنون علينا حضورهم المدوي في ضمير “القوات اللبنانية”، وفي ضمير وطن شربوا من كأسه وسكروا سكروا ليصبحوا هم خمرة القضية وخوابيها، ليصبحوا ذاكرتنا التي لا تريد أن تنسى التضحيات، فيكون لنا لقاء سنوي معهم، قداس شهداء المقاومة اللبنانية.
ما حصل في قداس الشهداء هذه السنة، كبير وكبير جدًا. لم تكن الذكرى عادية، لم يكن القداس عاديًا، لم يكن الحضور والمضمون عاديًا، كان احتفال كبير ضخم مدوي، ليس فقط بشهادتهم التي غرزت الوعر أرزًا وسنديانًا وأخضر الحياة، بل كان احتفال بنصرهم الكبير. كان إعلان الانتصار بعد طول انتظار. أكثر من خمسة وثلاثين عامًا وهم ينتظرون هذه اللحظة، سكنوا في الذاكرة في الدمع في الصور في الرحمة الالهية، وهم ينتظرون إعلان النصر لقضيتهم، لدمائهم ونضالهم ولبنانهم قبل الكل واستشهادهم. 7 ايلول 2025 في ليلة عيد ميلاد العذراء مريم، أعلن الشهداء الانتصار للحياة في لبنان، لمنطق الدولة، لحصرية السلاح، للجمهورية القوية الفعلية.
“رفاقي الشهداء إني أشعر بحضور طاغ أكثر لكم هذا العام يفوق بكثير حضوركم الطاغي دائمًا في كل يوم من مسيرتنا… ناموا قريري العين لأننا في النضال مستمرون… إن الحجارة التي رذلها بناؤو السياسة الرخيصة في لبنان أصبحت حجارة الأساس التي يقوم عليها البناء كله ولبنان الغد… رفاقي الشهداء نقول لكم بالفم الملآن والرأس المرفوع والضمير المرتاح، بأننا كنا بالفعل على قدر التحدي، دماؤكم لم تذهب هدرًا، خضنا وبوحي من شهادتكم أعتى المعارك الوطنية والسياسية والانتخابية وانتصرنا… أيها اللبنانيون ما تقولوا طول هالليل قولوا بكرا جايي نهار، وفعلًا طالع علينا نهار جديد”، هذا ما قاله لهم الحكيم في خطابه المدوي، خطاب أقل ما يوصف بأنه من رجل دولة كبير، رجل تضحيات كبيرة، رجل النضال التاريخي غير المسبوق بتاريخ لبنان، رجل حمل قضية الوطن على أكتافه، وحمل الوفاء والامتنان للشهداء لتبقى قضيتهم حاضرة في تاريخ الأمة وهذا ما حصل.
لا أكتب تفاصيل ما حصل في القداس، كلنا شهدنا على ما يحصل فوق في معراب، إما حضورًا أو عبر شاشات التلفزيون والصفحات الإلكترونية، كلنا شهدنا على دقة التنظيم، على الرجاء الحائم فوق القلوب، على الأمل الكبير بلبنان متحرر ودولة ستعود قوية. أكتب هنا تفاصيل المشاعر التي لا يمكن توصيفها، إذ ان مشاعر هذه السنة مختلفة جدًا، بريق العيون كان مختلفًا، نظرات الحكيم مختلفة، لم يتمكن الا تدمع عيناه حين حمل شباب وصبايا كشافة الحرية المشاعل وأضاؤوها وركع أحدهم أمام المذبح وبدأ صوت الشاعر نزار فرنسيس يتسلل بكلمات الأغنية الجدية التي الّفها، كانت لحظة بالغة التأثر لمن حمل في قلبه كل هذا الحب والولاء لقضية “القوات اللبنانية”، لذلك تأثر الحكيم وأدمعت عيناه، ولا يمكن ألا يفعل، فهو بيّ الصبي إذا جاز التعبير، وهو أب كل هؤلاء الشباب والصبايا في كشافة الحرية، وهو رفيق كل الشهداء وكل المناضلين الأحياء الذين رافقوه في كل محطات الخطر والتحدي والاعتقال والحرية، وانتصروا جميعًا لكل تلك القيم، هذا ما ميز قداس الشهداء هذه السنة.
قداس ما عاد محطة عابرة في مفكرة نشاطات القوات، هو محطة ضمير تعبر بالوطن لتذكّره دائمًا بأن ثمة من مات ليبقى هذا الوطن. منذ 15 أيلول من العام 1991، تاريخ أول قداس للشهداء أقيم في حريصا بحضور الحكيم، بعدما قررت القيادة يومذاك أن تكرم الشهداء بعد سلسلة حروب، وكانت القوات دخلت في مرحلة حل الميليشيات، وقداس الشهداء يعلن عن نفسه حتى قبل تحديد التاريخ. عبر القداس بمراحل كثيرة تماهت مع ما حل بـ”القوات اللبنانية” من اضطهادات واعتقالات، لكن أصر القواتيون الا يخرجوا من ذاك اللقاء وتلك القربانة المقدسة التي كانت تقدم باسمهم على مذبح الرب.
“بعد توقيف الحكيم توقفت القداديس، فأقمنا ثاني قداس في سيدة إيليج في 17 أيلول من العام 2000 وأجري تحت الضغط المباشر من الأجهزة الأمنية كافة، الذين نصبوا فجأة حواجز مفتعلة وبحجج واهية من جبيل الى بيروت وصولًا الى ميفوق، واعتقلوا مجموعات كبيرة من الرفاق وأنا من بينهم، يومذاك خبأنا صور الحكيم تحت ثيابنا وكذلك الصلبان، ومع ذلك اقمنا القداس بتأخير ثلاث ساعات عن الموعد المحدد، وجن جنونهم يومها كيف تمكنا من إجراء الذبيحة الإلهية على الرغم من كل العرقلة التي قاموا بها” يقول المناضل الكبير شربل أبي عقل، رئيس جهاز الشهداء والمعوقين في “القوات اللبنانية”.
إذًا قداس المقاومة ليس مجرد ذكرى، هو محطة نضال طبعت أيضًا بالاضطهاد ومحاولات العرقلة. 12 ايلول من العام 2004، أقيم القداس الثالث في حريصا “وحصل الأمر ذاته مع الأجهزة الأمنية الراضخة لأوامر الاحتلال السوري، استدعاءات، عرقلات على طريق حريصا، حواجز تطويق للمنطقة. خبأنا الصور والصلبان وأقمنا القداس بحضور فاق توقعاتهم، وبعد اعتقال الحكيم توقفت القداديس الى أن خرج الى الحرية وها نحن مستمرون لأن الحكيم أرادها أن تكون المحطة الأم في احتفالات القوات”، يقول أبي عقل.
المحطة الأم هذه السنة اخترقت أجندة عمرها نحو 40 عامًا من النضال. أربعون عامًا على الاقل يا الله وشباب المقاومة يناضلون لأجل سيادة هذه الأرض، لم يشبعوا استشهادًا، لم ييأسوا، لم يتراجعوا حتى وسيف الاحتلالات مسلط على رقابهم، حملوا المشعل وسلموه من جيل لجيل لجيل، وها هو سمير جعجع تدمع عيناه حين يعبر شباب وصبايا كشافة الحرية يضيئون المشاعل العابرة لتاريخ الأمة المناضلة، ويذهب الى الأرزة ومن حولها الصخر الصامد ويغرز للشهداء مشعلًا، يمسح دمعه الرقراق عنفوانًا، ويصعد الى المنبر ويعلن الانتصار، انتصرنا يا رفاق ناموا وارتاحوا لبنانكم عاد، دماؤكم أزهرت أرزًا، وطنًا لبنانًا، أجيالًا مقاومة تركع عند حافة المذبح تنحني بالكرامة للمسيح وتعلن على لبنان الحب.
هذا بعض قليل من قداس المقاومة اللبنانية…
