قد تكون التحية التي وجَّهها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، في كلمته بمناسبة إحياء ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، الأحد الفائت، في معراب، أفضل تحية وُجهِّت إلى الطائفة الشيعية في لبنان، خصوصاً في هذه المرحلة المفصلية التي يمر بها الوطن، وبالأخص التي تمر بها الطائفة الشيعية القلقة على مصيرها، نتيجة كل الأحداث التي حصلت وما أدَّت إليه حرب الإسناد وما حلَّ بالطائفة الشيعية من كارثة كبرى، فضلاً عمّا أصاب لبنان بأسره من جرّائها، فيما الخطر ما يزال ماثلاً والمخاوف كبيرة من إمكان تفلُّت الوضع وانزلاقه باتجاه “كارثة أكبر” في أي لحظة.
“وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا”. هذه الآية الكريمة من سورة النساء في القرآن الكريم، تدفع بشكل طبيعي إلى السؤال، هل يرد الشيعة تحية سمير جعجع “بأحسن منها”؟. هل تتلقف الطائفة الشيعية، بمختلف تلاوينها، حتى من بيئة “الحزب”، تحية جعجع والكلمة الصادقة من القلب والعقل إلى الإخوة الشيعة في لبنان، وتأكيده على مواقف الإمام موسى الصدر ووصايا الإمام محمد مهدي شمس الدين، ودعوته “للعودة إلى لغة العقل، وتعقّلوا وشاوروا، وتذكّروا كلام الإمام عليّ: من شاور الرجال شاركها في عقولها، وأعقل الناس من أضاف عقول الناس على عقله”، بإيجابية؟. مع العلم، أن الشيخ أحمد قبلان لم ينتظر طلوع الضوء، بل آثر الرد على التحية التي وجَّهها جعجع للطائفة الشيعية في لبنان بموقف، أقل ما يقال فيه إنه سلبي، موقف لا ينسجم حُكماً مع الآية القرآنية الكريمة!.
الناشط الشيعي هادي مراد، الذي كان حاضراً في قداس الشهداء الأحد الفائت في معراب، يعتبر أن “كلمة الحكيم كانت كلمة حكيمة، كلمة شاملة صادقة ووطنية بامتياز. هي من المرات النادرة التي يتطرق فيها الحكيم، بما يعادل تقريباً ثلث الوقت الذي استغرقته كلمته، متوجهاً إلى الطائفة الشيعية. وهذا إن دلَّ على شيء، إنما يدل على حضور الدكتور جعجع الوطني والممتد بيده، يد العون والوفاء والإخلاص والمواطنة للشيعة في لبنان”.
يضيف مراد، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “كنت حاضراً في القداس، وأنا كلبناني شيعي، كلمة الحكيم صدمتني، إيجاباً بالتأكيد. شخصياً، شعرت بأن هناك من ذاق المرّ في الماضي بموضوع السلاح، وتكلّم عن تجربته. وكما يقال “اسألوا مجرّب ولا تسألوا حكيم”، نحن كنا نسمع المجرّب الذي خبر السلاح في الثمانينيات يوم غابت الدولة وكيف كان أول العائدين إلى الدولة يوم عادت، وكنا في الوقت ذاته نسمع ونسأل “حكيم”.
يتابع مراد: “سرد هذه التجربة والواقعة التي حدثت مع “القوات اللبنانية”، وما حقَّقته “القوات” في النهاية، وما تزال، عندما سلَّمت السلاح وعادت إلى الدولة منذ اللحظة الأولى، على الرغم ممّا تعرّضت له في زمن الوصاية الأسدية على لبنان الذي انقلب على اتفاق الطائف، كانت درساً معبِّراً ومعنوياً رفيعاً للطائفة الشيعية في لبنان، لتفهم وتتمكن من إجراء إسقاط على تجربة “القوات” في الماضي، بأن الدولة هي دائماً المنجاة”.
وفق مراد، إن “تطمين الحكيم للطائفة الشيعية يعادل ضمانات تطالب بها الأحزاب الشيعية، الثتائي الشيعي”، لافتاً إلى أن “المشكلة اليوم ليست في البيئة الشيعية، إنما المشكلة في “الحزب” والقيادة التي أوهمت هذه البيئة بأن المد والطوفان قادم عليها، وأن الاضطهاد قادم لقتل الشيعة اللبنانيين. اليوم، كلمة الحكيم كانت لتنفي كل ما يزرعه بعض المفتنين والقادة وبعض الزعماء وحتى بعض رجال الدين، لا سيما الشيخ أحمد قبلان الذي لم يستطع أن ينام، لأن الكلام الذي قاله سمير جعجع لا يسمح لأحمد قبلان بالنوم!”.
يضيف: “أمثال أحمد قبلان يريد من الحكيم أن يهاجم الطائفة الشيعية وليس أن يهادنها ويطمئنها ويمد لها يد العون، وليس أن يذكّرها بالأقوال الخالدة للإمام شمس الدين وقول الإمام علي بن أبي طالب. لقد كان نص الحكيم الأحد الفائت نصّاً شيعياً بامتياز، ينبع من ولاية علي بن أبي طالب الذي كان يستند في حكمه وفي خلافته إلى قول القرآن الكريم “وأمرهم شورى بينهم”، فاستناد حديث الإمام علي عندما قال “من شاور الناس شاركهم في عقولهم” نابع من نص قرآني كريم”.
مراد يعتبر، أن “خطاب الحكيم الوطني النابع من قراءته للتجربة الشيعية على مر العصور منذ علي بن أبي طالب وحتى الإمام محمد مهدي شمس الدين، تجعل الطائفة الشيعية في لبنان تعيد التفكير مليّاً. وصلني شخصياً الكثير من الرسائل ومن أشخاص من الطائفة الشيعية كانوا يعتبرون الحكيم خصماً سياسياً، قالوا لي، لأول مرة نشعر بأن هناك حضناً وأمناً وأماناً من قبل القوات اللبنانية”.
“هكذا نظرت إلى خطاب الحكيم مع الطائفة الشيعية. لكن من يريد أن يشيطن هذا الخطاب يكون أكثر المضرور بهم، أي غير المنتفعين. من ضرّه خطاب الحكيم في نهاية القداس، ليس وطنياً ولا يريد الخلاص والأمن للشيعة في لبنان، بل على العكس، يريد الانتحار لهم، ففي وقت هم يهددون بـ”معركة كربلائية” على لبنان، الحكيم قال لإخوانه الشيعة “نحن معكم”، فشتان ما بين الثرى والثريا”، يختم مراد.

.jpg)