Site icon Lebanese Forces Official Website

ما يتجاوز الملفّ النووي الإيراني…

صحيفة النهار – خيرالله خيرالله

 

لا يكفي الكلام المنمق كي تعود إيران دولة يتعامل معها العالم المتحضر ومحيطها العربي بشكل طبيعي. تكمن مشكلة “الجمهوريّة الإسلاميّة”، التي أقامها آية الله الخميني في العام 1979 بعدما نجح في احتكار السلطة وإبعاد الأطراف الأخرى المعارضة للشاه محمد رضا بهلوي، في أن الموضوع يتجاوز الملفّ النووي الإيراني.

 

إنّه موضوع سلوك إيران في المنطقة والعالم، وهو سلوك لم يعد ممكناً استمراره منذ تغيّرت إسرائيل كلّياً في ضوء “طوفان الأقصى”. لم تعد الدولة العبريّة قادرة على المضي في تفاهمات في  العمق مع “حركة ح” في مقابل تركها تتحكّم  بغزة. لم تعد إسرائيل تأخذ في الاعتبار “قواعد الاشتباك” مع “الحزب” في جنوب لبنان ولم تعد مستعدّة للتعايش مع نظام أقلّوي في سوريا ضمنت بقاءه طوال عهدي حافظ الأسد وبشّار الأسد. الأهمّ من ذلك كلّه أنّ الولايات المتحدة على تفاهم تام مع إسرائيل، وحتّى مع دولة مثل روسيا، على أنّه يستحيل القبول بقنبلة نووية إيرانيّة.

 

من هذا المنطلق، لن يحل أي مشكلة لإيران مع المجتمع الدولي كلام من نوع ذلك الذي كتبه وزير الخارجية الإيراني عبّاس عراقجي أخيراً في صحيفة “الغارديان” البريطانيّة وتطرق فيه إلى استعداد بلده لاعتماد موقف مرن في أي مفاوضات تستهدف التوصل إلى تسوية في شأن ملفّها النووي. من بين ما قاله عراقجي في المقال الذي خصّ به “الغارديان” أن بلده جاهز لصياغة اتفاق واقعي ودائم يتضمن رقابة صارمة وقيوداً على التخصيب (تخصيب الأورانيوم) مقابل رفع العقوبات، مضيفاً أنّ “الفشل في اغتنام هذه الفرصة السانحة قد تكون له عواقب مدمرة للمنطقة وما بعدها على مستوى جديد كلياً”. أشار وزير الخارجية الإيراني إلى أنّه “إذا كانت أوروبا تريد حقاً حلاً ديبلوماسياً، وإذا أراد الرئيس دونالد ترامب أن يركز على قضايا حقيقية، فعليهما منح الديبلوماسية الوقت والمساحة اللذين تحتاج إليهما للنجاح”، معتبراً أن “البديل من الديبلوماسية ليس جيداً”. لم يقدّم بالطبع أي فكرة عمّا سيكون البديل من الديبلوماسيّة وما تصوّر “الجمهوريّة الإسلامية” لهذا البديل الذي تحذر العالم منه!

 

بكلّ المقاييس والظروف، ليس مسموحاً لإيران بالحصول على سلاح نووي. لا أحد يصدّق أنّها لا ترغب في امتلاك القنبلة. مسألة الرقابة الصارمة على البرنامج النووي الإيراني مطروحة جدّياً، لا لشيء سوى لأن العالم لا يتحمّل وجود قنبلة إيرانيّة ستدخل دول المنطقة في سباق تسلّح وانتشار للسلاح النووي. لا يمكن أن تكون إيران دولة نووية وأن تبقى دولة مثل تركيا في وضع المتفرّج على مثل هذا التطور البلغ الخطورة.

 

لم تكن “الجمهوريّة الإسلاميّة” بعيدة عن “حركة ح” يوماً. ستكشف الأيام وجود تنسيق بين جناح معيّن في الحركة وإيران في مرحلة الإعداد لهجوم “طوفان الأقصى” الذي شنته الحركة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. عملت “الجمهوريّة الإسلاميّة” على استغلال “طوفان الأقصى” إلى أبعد حدود وصولاً إلى  دخولها مواجهة عسكريّة مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة التي قصفت ثلاثة مواقع نووية إيرانيّة في حزيران/يونيو الماضي.

موضوع الملف النووي مشكلة كبيرة للعالم، لكنّه لا يمكن عزله عن سلوك إيران في المنطقة عبر أدواتها المعروفة وهي ميليشيات مذهبيّة موجودة في العراق ولبنان وكانت موجودة في سوريا.

 

لن يفاوض أحد إيران في شأن ملفها النووي بمعزل عن سلوكها وميليشياتها المذهبيّة، التي لا تزال تعمل في اليمن… وصواريخها الباليستية. كلّ ما في الأمر أن “الجمهوريّة الإسلاميّة” خاضت سلسلة حروب على هامش حرب غزّة معتقدة أنّها في منأى عن حرب ستتورط بها من نوع حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل. هناك عالم تغيّر. ليست إسرائيل وحدها التي تغيّرت وباتت أكثر وحشية وأكثر بعداً عن المنطق السياسي…

 

في هذا العالم الذي تغيّر لن يفاوض أحد إيران على ملفها النووي بمعزل عن سلوكها، أي عن ميليشياتها المذهبية التي هي أدوات لم يكن لديها من هدف في يوم من الأيام سوى تفتيت دول عربيّة الواحدة بعد الأخرى عبر تدمير مؤسساتها، كما حصل في لبنان على سبيل المثال وليس الحصر…

Exit mobile version