.jpg)
في أيلول، يعود اللبنانيون إلى تلك اللحظة الأليمة التي لم تشفَ من جراحها ذاكرة الوطن. في ذاك اليوم الأسود، سُفك دم رئيس شاب، قبل أيام قليلة من تسلّمه زمام الجمهورية. بشير الجميل لم يُغتل جسداً فقط؛ بل هدفوا الى اغتيال الحلم الذي كان يطلقه، وإجهاض فرصة ولادة دولة حقيقية قوية ومزدهرة. أربعون عاماً ونيف مرّت، وما زال اسمه يتردّد كصرخة مدوّية في وجه اليأس، يختصر مشروعاً لم يكتمل، وأملاً لم يمت، وفكرة لم تفارق وجدان كل من يؤمن بوطن حرّ سيد.
أيلول ليس مجرّد شهر عادي من شهور السنة. إنه ذاكرة، وعهد، ووصية. أيلول الشهداء لا يحمل فقط ملامح الحزن القاتم والألم الذي لا يزول، بل يحمل أيضاً شعلة الإصرار على أن الدم الذي سُفك من أجل بناء الدولة، سيزهر وطناً يليق بأحلام شهدائه. إنها فرصة لاستحضار “الباش” ليس كقائد حرب، بل كصانع سلام أراد أن ينتشل لبنان من براثن الخضوع والارتهان، وأن يؤسّس لنظام لبناني ثابت، لا تهزّه رياح المنطقة التي تتبدّل مع تغيّر الزعامات.
بشير الجميل، بخلاف الكثيرين، أدرك أن الخطر الأكبر على لبنان ليس في السلاح أو الاحتلال المباشر فحسب، بل في هشاشة بنيته الداخلية، وضعف الانتماء الوطني، وغياب الرؤية الموحّدة. كان يرى بوضوح أن دولة ضعيفة، تتآكل من الداخل، هي ساحة مفتوحة لكل من يريد العبث بمصيرها. في خطاب له خلال حملته الانتخابية الرئاسية 1982 قال: “نحن لا نريد أن نبني حكماً، بل نريد أن نبني دولة. لبنان لن يعود ساحة، لبنان لن يعود صندوق بريد. لبنان سيكون دولة حرة سيدة مستقلة”. هذه الكلمات ليست مجرّد شعارات، بل هي ميثاق وطني رسمه بدمائه.
حلم بشير لم يكن سلطة عابرة، بل كان محاولة جديدة لتأسيس نظام سياسي متين، لا يرتجف خوفاً من زعيم إقليمي ولا يركع لأجندات خارجية. نظام يرتكز على الثوابت، لا على تسويات ظرفية موقتة. دولة قوية مزدهرة تحكمها المؤسسات، لا الولاءات العابرة. دولة لا مكان فيها لـ”دويلة”، ولا يعيش فيها أحد على حساب الآخر. لكن بعد استشهاده، ظهر “اليوضاسيون” من كل حدب وصوب، فخانوا الحلم وباعوا العهد بثلاثين من الفضة. طعنوا الوطن في ظهره من أجل مناصب زائلة، ونفوذ موقت وخدموا الاحتلالات وممثليهم وعاثوا فسادا بالمجتمع والدولة وتحولوا الى مرض عضال ينخر كالسوس في أسس المجتمع وعقول البسطاء بحثاً عن سلطة محدودة ومجد شخصي فانٍ. في خضم هذا الانهيار، بقيت “القوات اللبنانية” الشاهد الأمين والامتداد الصلب لمشروع بشير. لقد واجهت القوات الاحتلال السوري والإملاءات الخارجية، وقاومت السلاح غير الشرعي، وتصدّت بكل ما تملك للمنظومة الفاسدة. تمسّكت بمبدأ واحد لا يتزعزع: لا خلاص للبنان إلا بالدولة. لقد رفضت القوات كل تسوية تهدر الدستور، ووقفت سداً منيعاً في وجه ضرب القضاء وتطييف الإدارة. دفعت ثمن هذا الالتزام مرارًا، من الإقصاء السياسي إلى السجن والملاحقات الأمنية والقضائية، ولكنها لم تتراجع عن قناعتها. وقد قال الدكتور سمير جعجع، في مقابلة تلفزيونية بعد خروجه من معتقل النظام الأمني اللبناني ـ السوري وملحقاته من قضاء عضومي عام 2005: “فكرة بشير الجميل ليست فكرة طائفية، هي فكرة وطنية. فكرة دولة، فكرة سيادة، فكرة حقوق اللبنانيين. نحن اليوم، لا نريد أن نعيش في مزرعة، نحن نريد أن نعيش في دولة”. هذه الكلمات ليست مجرّد تصريح، بل هي تجديد للعهد الذي استشهد من أجله بشير. اليوم، لبنان يترنح تحت وطأة الانهيار الاقتصادي، والانقسام السياسي، وفقدان الثقة الداخلية والخارجية بنظامه السياسي والاقتصادي والمصرفي. ولكن وسط هذا الخراب، يولد جيل جديد، لم يعش ويلات الحرب، لكنه ورث إرادة التغيير. هذا الجيل لا يخشى إسقاط الأوهام والموروثات الشعبية القادمة من زمن السوريين والفرنسيين والعثمانيين، ولا يخضع للترهيب. إنه جيل يبحث عن وطن، لا عن ملجأ. هذا الجيل، بتنوّع خلفياته سواء أيد القوات اليوم أم ما زال متأثرا ببعض الاشاعات الخبيثة الموروثة من زمن النظام الامني اللبناني- السوري، يلتقي روحياً مع جوهر الفكرة التي استشهد بشير من أجلها: لبنان الدولة، لا لبنان الساحة. لبنان السيادة، لا لبنان المساومة. لبنان القانون، لا لبنان السلاح الخارج عن الشرعية. لبنان الدولة القادرة لا لبنان الفساد والمحسوبيات والتخلف. لبنان الاقتصاد القوي المزدهر لا لبنان الشحاد على أبواب دول الخليج وأوروبا والبنك الدولي. لبنان الجامعات العالمية ومنارة الشرق لا لبنان التخلّف. لبنان مستشفى الشرق لا لبنان الموت والحزن والفقر وعدم القدرة على الاستشفاء.
أيلول الشهداء ليس ذكرى حزينة فقط، بل هو محطة لتقييم الذات. أين نحن من حلم بشير؟ الجواب لا يزال حزيناً لا بل مؤلماً. لكن بذور الأمل لم تمت. ما دامت هناك قوى سياسية على رأسها “القوات اللبنانية” تحرس هذا الخط، وما دامت الإرادة الحرة تقاوم، فإن الأمل لم ولن يموت.
باغتيال بشير أرادوا أن تكون نهاية مأساوية لحلم وطن. لكنه تحوّل الى تحدٍ من أجل رفض الموت والخضوع في عقول وقلوب الأحرار. تحول الى اختبار قاسٍ وطويل. اختبار لإرادة شعب يريد الحياة، ولقوى سياسية عليها مسؤولية الحفاظ على هذا الحلم. وإذا كان الذين اغتالوه أرادوا أن يدفنوا صوته في تراب الوطن، فإن الفكرة التي نادى بها ما زالت تصرخ، في أيلول الشهداء، في كل بيت لبناني لا يزال يؤمن بلبنان. مع كل نسيم يمر بين الوديان. مع كل أرزة تنتظر الثلج مع كل زيتونة تنتظر المطر لأن الرئيس الشهيد بشير الجميّل لم يكن رجلاً عاديًا في لحظة عادية من تاريخ لبنان بل كان قائدًا استثنائيًا في زمن خطير وتحوّل بعد استشهاده الى فكرة لبنان في أنقى حالاتها كوطن يعلو فوق الطوائف، ودولة تحكمها المؤسسات، لا الزبائنية وعقلية سياسية تقبل الآخر وتتفاعل معه من أجل غد أفضل لا عقلية إلغائية تعمل على القضاء على كل ما هو مختلف انطلاقا من معتقدات جامدة تؤمن أنها تمتلك الحقيقة المطلقة. كان الحلم بأن يكون للبنانيين كيانٌ لا يُدار من الخارج، وكرامة لا تُباع في أسواق النفوذ الإقليمي. ومن هنا، فإن من يكره بشير اليوم، لا يكرهه كشخص، بل يرفض الفكرة التي جسّدها. يرفض لبنان الدولة، والسيادة، والقانون. يرفض لبنان الحر، المستقل، الصلب في وجه العواصف، الصامد رغم النزيف.
بشير بعد أكثر من 40 عامًا على استشهاده تحوّل الى حلم لبناء وطن لجميع أبنائه. وكل من يعاديه، إنما يعادي فكرة لبنان كوطن، وجوهر وجوده. أما من أحبّه، فلا يُطلب منه أن يندب أطلال الماضي، بل أن يُكمل الطريق، لأن الفكرة لا تموت… إلا إذا خانها من نذروا أنفسهم لها.
وبين لبنان الذي يشبه بشير، ولبنان الذي يشبه قاتليه، يبقى الرهان على من يؤمن أن شهادة الأبطال لم تكن يومًا نهاية، بل بداية لبناء وطن لا يركع… ولا يُباع.
لقراءة المقال عبر “المسيرة” إضغط على الرابط التالي:
ما تخاف يا بشير… أيلول الشهداء سيزهر وطناً
