صحيفة النهار – علي حمادة
شكل الهجوم الإسرائيلي على مقرّ اجتماعات لقيادة حركة “ح” – الخارج في العاصمة القطرية الدوحة ترجمة عملية سريعة لتنبؤات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، التي أدلى بها قبل أسبوع في بودكاست أداره ماريو نوفل، وما قاله توم براك مهم لا سيما أنه لا تربطه علاقات حميمة مع الإسرائيليين فهو أقرب إلى تركيا من الزاوية التي تتعامل فيها في مقاربتها للنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط وللدور الإسرائيلي فيها. قال: “كل الحدود في المنطقة التي رُسمت وفق اتفاقية “سايكس-بيكو” سقطت بالنسبة إلى إسرائيل. وهي ستذهب حيثما تريد، وفي أي وقت تريد، وتفعل ما تريد عندما يتطلب أمنها ذلك كي لا تتكرّر عملية السابع من أكتوبر”! وفي ضوء الهجوم الذي حصل يوم الثلاثاء على مدينة الدوحة، فإن قراءة توم براك لمرحلة ما بعد عملية “طوفان الأقصى” بالنسبة إلى إسرائيل تبدو أقرب إلى نبوءة منها إلى تحليل. ونحن نزعم أن النبوءة ليست مجرد توقعات، فعلى الأغلب هي حصيلة معلومات وتقارير وصلت بين يدي المبعوث الأميركي تكشف عن المزاج الإسرائيلي الحقيقي والعميق، فضلاً عن أنها، من دون أن يشير براك في البودكاست المذكور إلى التفكير العميق الذي يهيمن على الإدارة الأميركية الحالية، تُميط اللثام عن أميركا مختلفة عما كانت عليه خلال عهد الرئيس السابق جو بايدن وإدارته الديموقراطية. فالتقاطع بين حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة دونالد ترامب يبدأ من فكرة أن السلام يُفرض بالقوة. وبالتالي فإن استخدام القوة مبرّر من أجل الوصول إلى سلام مديد. ومن هنا يمكن فهم استمرار الحرب المدمّرة في غزة حتى اللحظة، ومواصلة إسرائيل تقويض سلطة حكم الرئيس أحمد الشرع في سوريا، والمضيّ في مطاردة عناصر ومقاتلي وقادة “الحزب” في لبنان وقتلهم الواحد تلو الآخر تحت عنوان فرض الاستسلام بلا شروط، حتى لو كانت مكتوبة ومثبتة في اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤.
من خلال الهجوم على الدوحة لقتل قادة حركة “ح” يمكن فهم ملامح المرحلة المقبلة في لبنان: إسرائيل ستواصل تطبيق قراءتها لاتفاق وقف الأعمال العدائية المذكور، وأساسه تجريد “الحزب” من كل سلاحه إما بالسياسة والتراضي بين الدولة اللبنانية والحزب المذكور أو بالقوة والعنف تماماً كما قال السيناتور ليندسي غراهام الذي زار لبنان قبل عشرة أيام في مؤتمر صحافي عقده في إسرائيل عقب مغادرته لبنان. “نزع سلاح الحزب إما سلماً أو بالخطة باء أي بالقوة، وقبل أن يحصل ذلك لا يمكن مطالبة إسرائيل بأي شيء”.
استنتاجنا ممّا سبق أن “الحزب” الذي يزعم أن الحكومة تراجعت عن قرارات جلستي ٥ و٧ آب الماضي، واهم إن ظن أن إسرائيل ستدعه يتنفس الصعداء. وكما أنه واهم في أن الحكومة تراجعت وأتاه الرد من رئيسها نواف سلام بأن لا تراجع عن حصر السلاح في كل مكان، فإن الضربات الإسرائيلية مقدَّر لها أن تتواصل مستهدفة كوادره العسكرية والأمنية والمالية وربما لاحقاً الكوادر السياسية على قاعدة أن رفض “الحزب” تسليم سلاحه للدولة هو الذريعة المنتظرة لشن حرب جديدة ضده مختلفة عن حرب ٢٠٢٤.