
ما جرى في جلسة الحكومة الأخيرة لم يكن حدثًا عابرًا ولا تفصيلًا إجرائيًا كما حاول محور الممانعة الإيحاء به. كان إعلانًا صريحًا بأن لبنان دخل مرحلة جديدة: مرحلة القرار الواضح بحصر السلاح بيد الدولة. النقاش حول إمكانية التراجع عن القرار انتهى، والجواب بات قاطعًا: لقد اتُّخذ ولا عودة عنه. ويبقى السؤال في الكيفية والتوقيت، والجواب جاء واضحًا عبر مسار تدريجي يقوده الجيش، يحمي الداخل من الصدام ويُظهر للخارج أن الدولة بدأت فعلًا تستعيد قرارها وسيادتها.
أهمية هذه الخطوة لا تكمن في مضمونها فقط، بل أيضًا في ما عكسته من توازنات. وزراء الثنائي الشيعي انسحبوا من الجلسة احتجاجًا، لكنهم لم يجرؤوا على الاستقالة. هذا التصرف وحده كافٍ ليكشف إدراكهم للواقع الجديد: اعتراض لفظي بلا قدرة على تغييره، وتسجيل موقف من دون جرأة الذهاب إلى مواجهة مفتوحة. لو كانوا يملكون زمام التعطيل المطلق لفعلوا، لكنهم يعرفون أن ميزان الداخل تغيّر، وأن الخارج يراقب كل تفصيل. انسحاب بلا استقالة هو اعتراف صامت بأن أقصى ما يستطيعونه هو إبطاء المسار لا قلب اتجاهه.
أما “الحزب”، الذي اعتاد التلويح بالشارع ورفع سقوف التهديد، فوجد نفسه مكبّلًا. القرار جاء محسوبًا لكنه حاسم، فلم يترك له ذريعة لتفجير الوضع ولا مبررًا لإشعال مواجهة. والرئيس نبيه بري بدوره وجد نفسه أمام مفترق واضح: الاستمرار في المواجهة يعني عزلة داخلية وخارجية، فيما المسايرة الحذرة تعني الحفاظ على موقعه داخل اللعبة. فاختار الخيار الثاني، فسحب فتيل الشارع، وجرّد حزب الله من ورقة طالما اعتبرها سلاحًا إضافيًا في معاركه.
لكن المشهد لا يُقرأ داخليًا فقط. فالضغط الأميركي بلغ ذروته في الأسابيع الأخيرة عبر زيارات متتالية لقادة عسكريين ودبلوماسيين، ورسائل حازمة بأن لا مساعدات ولا إعمار ولا استثمارات من دون خطوات ملموسة. والبعد الاقتصادي هنا أساسي: فالمواطن المنهك بالأزمات لم يعد يرى في السلاح حماية، بل عقبة تحول دون الإصلاح والاستثمار وفرص العمل. ومن هذا الباب، صار القرار بحصر السلاح ليس قضية سيادية فحسب، بل مدخلًا لإنقاذ لقمة العيش ووقف النزيف الاقتصادي.
هذا القرار أيضًا ليس بدعة جديدة ولا استجابة طارئة، بل تطبيق حرفي للدستور اللبناني واتفاق الطائف وكل القرارات الدولية المتلاحقة التي نصّت بصراحة على حصرية القوة بيد الشرعية. ما يحصل اليوم هو استكمال لمسار انقطع طويلًا، وإعادة تثبيت لمنطق الدولة في وجه فوضى الدويلة.
إقليميًا، يكتسب المشهد بعدًا إضافيًا. إيران، التي تواجه انسدادًا في المفاوضات النووية وضغطًا اقتصاديًا متصاعدًا، اختارت أن تسمح بمرور القرار في بيروت كإشارة حسن نية غير مباشرة لواشنطن. فالصمت النسبي لـ”الحزب” والامتناع عن التصعيد ليسا مجرد صدفة، بل يعكسان حسابًا إيرانيًا أوسع، حيث لبنان يصبح ورقة تفاوضية لا ساحة تفجير. هكذا تلتقي الضغوط الدولية مع الإرادة الداخلية، فيتحول ما كان ممنوعًا بالأمس إلى مسار واقع اليوم.
أما إسرائيل، التي لوّحت مرارًا بالتصعيد، فتجد نفسها أمام معادلة جديدة: دولة تتحرك تدريجيًا نحو حصرية السلاح، ما يجعل أي عملية واسعة أقل قابلية للتبرير أمام العالم. وبذلك تتحول خطوة الدولة إلى عامل استقرار إضافي، يعيد تموضع لبنان من ساحة مفتوحة إلى دولة تستعيد حقها الطبيعي في الأمن والسيادة.
الجيش هو الضمانة في هذا المسار. بصفته المؤسسة الوحيدة العابرة للطوائف، أُنيط به الإيقاع: انتشار مدروس، ضبط تدريجي للسلاح، تكريس متنامٍ لسلطة الدولة حيث غابت طويلًا. وما قد يبدو بطيئًا للبعض هو في جوهره حساب استراتيجي: إفراغ الشارع من ذرائعه قبل إفراغ المستودعات من سلاحها. إنها سياسة النفس الطويل، التي لا تسمح بالارتداد ولا تترك مجالًا للعودة إلى الوراء.
لقد دخل لبنان زمنًا مختلفًا. السلاح خارج الشرعية لم يعد ورقة قوة، بل صار عبئًا يتآكل يومًا بعد يوم. الداخل بأكثريته بات مقتنعًا بأن لا بقاء بلا دولة واحدة، الخارج يضغط ويدفع في الاتجاه نفسه، وإيران – بوعي أو باضطرار – سمحت بتمرير ما كان محظورًا. القرار لم يعد مادة نقاش، بل حقيقة سياسية وقانونية واقتصادية. إنها بداية زمن الدولة الواحدة والشرعية الواحدة، حيث يصبح أي كلام آخر مجرد صدى من ماضٍ انتهى.