
بيزنطيا القرن السَّابع وإمبراطورها هرقل المعروف برافع الصَّليب. لبنان القرن الواحد والعشرين بحسب توقيت البشير، وثلاثة عشرة قرن هي الفاصلة الزمنيَّة بينهما، والفصل المقروء بتأمُّلات مراحل درب الآلام الأربع عشر، المدون بأيادٍ تجيد الكتابة بالمسمار قلمًا، والخلِّ حبرًا، ومنديل فيرونيكا تنشيفًا. منذ كان الشرق حكمًا هيرودسيًا وقضاء قيافاويًا فإنَّ الصَّلب توأمه والظُّلم إدمانه، ونكران الجميل عادته، واستباحة دماء الأنبياء مهنته. نيٍّفٌ وألفٍ وثلاثمئة سنة والجمعة العظيمة تتعاظم أوزان خشبتها وتتعظُّم مثاقيل وزناتها. حقبة تستدعي سمعان القيروانيّ، وحقبة هرقل البيزنطي، وحقبةً تنادي بشير اللبنانيّ، وفي كلِّ رابع عشرة من أيلول يجاهر حاملو الصّلبان بصوت واحد: “قد تمَّ كلُّ شيء!!
عيدٌ وارتفاعان
هوَّذا الصَّليب والبشير كلبنان والأرز يرتفعان معًا. كضمير الفداء وطائر الفينيق يحلِّقان سويَّة. الصَّليب والبشير يمتلئان من جواب المحكوم بالصَّلب والموت للحاكم الروماني بيلاطس: “لم يكن لكَ عليَّ أي سلطان البتَّة، لو لم يعطَ لكَ ذلك من فوق”. الحكَّام بأمر القضاء والقدر وانسحاق الرعايا معظمهم مأجور والحاكمون الأجراء لا تعطى لهم سلطةٌ إلاَّ من تحت. بلدان شرق البحر المتوسط وما بينهما المحيط الهادر والخليج الثائر يعانون من ذات الشَّيطان الذي دخل في يهوذا وعمَّم كتاب التَّربية الإسخريوطيَّة التي نشَّأت أمراءً وملوكًا وحكّامًا في شرقٍ وغربٍ ميزانيَّاتهم فاضت بالفضَّة الثلاثين فتمَّ تسليم الحالمين بأوطانٍ تسمو على الهوان إلى علماء مصانع المواد المتفجِّرة، ومصدِّري الأوامر بدسِّ العبوات النّاسفة في أيِّ مكان مشتبه به أنَّه مصدر هبوب عاصفة روح قدس الكرامة الإنسانيَّة والمواطنيَّة، وليس مثل هذه العاصفة مَن يرعبَ كبار القابضين على الخرائط العقارية السوداء تخطيطًا لإجراء عمليات إعادة مسح الأوطان فرزًا وضمًا بما يلائم مدراء إدارات طاولات حوارٍ قائمةٍ على أمثولة محاورة الذئب للحمل ..لقصور الحكم في الجوار غير السَّعيد أبواب ذات مقاسات لقِصار الهامات والرؤوس التي يمكن لويَ رقابها. لم يكن ثمة باب من مقاس قامة البشير ورأسه الذي لا يلتوى أصدم بذلك السَّقف المفخَّخ بعديد أيادٍ منضويَّة إلى عصبة الأمم الملحدة بميثاق حقوق الإنسانية والشعوب والأوطان، وأنَّ ممسوخ العقل والفكر والعقيدة ولسان الحال لا قاتلٌ يقتله مثلما تصرعه وتفتك به إطلالة كإطلالة بشير، يا تلك العيون التي كانت حدائقًا معلَّقة تنبت فيها مئات آلاف أعلام بلاد الأرز وتفوح منها النَّغمات الجوريَّة للنشيد الوطني اللبناني. يا ذلك الوجه المسكون بأقدس الحكايا اللبنانية، حكايا جبال اللبان والبخور ومظال التَّجلِّي، حكايا شواطئ مراكب أول حروف الأبجديات!!
نبيُّ الحقائق الصَّعبة
ليس حكَّام دول القريب والغريب هم فقط مَن لوت أذرعهم ذراع البشير المدعومة من يمين الربِّ أولاً والمؤمنين بصوابيَّة وصلابة ذراعه ثانيَّة. الكرسيُّ الرَّسوليّ ودوائر دولة الفاتيكان قد لفحتهم مفاجآت ريح العنصرة البشيريَّة وروحها القدوس يمامة لا تحلِّق إلاَّ فوق سلسلة جبال العروسة الآتية من لبنان وملابس عرسها تسابيح وادي قاديشا ورسائل تبشير تنبع من جبَّة المنيطرة وتتدفق على طول مجرى نهر وادي أبراهيم القورشي.
راهب لبنان الأب بولس نعمان وقبله أخوه في قيادة رهبانية المقاومة اللبنانية الأب العام شربل المقدام شربل القسيس، كانا القاصدين الرَّسوليَين اللذين آمن بشير إيمانهما، وارتجى رجاءهما، واعترف اعترافهما، وصلَّى صلواتهما!
لبنان الأب العام والابن بشير هو “أكثر من وطنٍ”… إنَّه المؤمنون به أزليًا أزليَّة واضع برنامج سفر التكوين، سرمديًا سرمدية الحياة الأبدية. لبنان أكثر من وطنٍ.. إنَّه الصَّامدون فيه صمودًا أسكنهم أغنى الأماكن وعورةً وشهامة، وأقصى المغاور والكهوف وحشةً وكرامة، وأنبل العواصي خطورةً وسيادة، وإنَّه الصَّامدون فيه صمودًا أسكنهم اشتياق الأضرحة لتناول أجساد الشباب ودمائهم قربانًا ليس من سواه يعطى لحياة الأوطان. “لبنان أكثر من وطنٍ”… إنَّه دانيال الحدشيتي قيدوم أنطاكيا وثائر كنيسة الشرق والغرب، أول البطاركة القادة الرمَّاحة الشهداء، وإنه جبرائيل الحجولاوي بطريرك المحرقة التي لم تجد “أبراهيمًا” واحدًا يساوي رئيس الرؤساء المساق للنار بابنه أسحق.
“لبنان أكثر من وطنٍ”… إنَّه منارة الحقائق الصَّعبة الموضوعة فوق مكيال أرض الميلاد والبشارة والصَّلب والقيامة يوم اجتاحها الإمبراطور الفارسي كسرى وأخذ صليب الفادي معه أسيرًا… فوق مكيال قسطنطينية 28 أيار 1453 وآجيا صوفيَّا… وفوق مكيال كنيسة يوحنا الدمشقي عام 705 ميلادية السابق لتواريخ الحملات الصَّليبيّة… وأمَّا لبنان الرسَّالة فالبشير الرَّافض بالإطلاق للرضوخ إلى حتمية “ما كتِب قد كتِب”، كان الأعلم بأن هكذا رسائل ينصُّها كتبةٌ متعدِّدو الجنسيات، أين منهم الذين قرَّعهم المعلِّم: “الويل لكم أيها الكتبة والفريّسيون المراؤون الذين يحمِّلون الناس أحمالاً ثقيلةً وهم لا يريدون أن يمسّونها بأحد أصابعهم”.
وهل أثقل من إسكان شعب داخل مختبرٍ مُجرَّب عشرات المرّات، وأصدر نتائج فحوصات مخبريَّة مواطَنيَّة في جميع المرَّات… هو البشير المؤمن من دون مواربة ومراوغة ومراوحة بأنَّ الإرشادات الصَّادرة عن “روما من فوق” لا تلائم البتَّة الشعب الضارع منذ أجيال الأجيال: “من أعماق قاديشانا صرخنا ونصرخ إليك وحد يا رب!!
قواتنا اللبنانية ورفيقنا بشير
“القوات اللبنانية” جذورًا وجزوعًا وأغصانًا وثمارًا هي غبطة الغرسة النَّابتة في أجود وأنقى وأسخى تراب أبيها المؤسس أبون يوحنا مارون. هي فرعٌ أرزيٌّ سنديانيّ من أصول شجرة المقاومة اللبنانية التي أنماها ورعاها صاحب صرح وادي حربا ـ كفرحي عند حدودنا الكليَّة الطوبى. “القوات اللبنانية” كما أولدها وعمَّدها وأرادها عميدها وعموديَّها يوحنا مارون، إنَّ مسكنها الأثبت المنيع هيَّ القفار الشّاهقة الارتفاع والترفُّع حيث يتَّحد الشقاء بالشَّفاء، شقاء الأجساد في تحويل مسيرة الصلبان أهدافًا لقيامةٍ مجيدة جديَّة، وشفاء النفوس من رواسب أزمنة الذميَّة والسَّبي إلى حكم إمارات “أشمِل”… بشير الابن وإرث إسم بشير جدِّ والده الشيخ بيار الجميِّل الرئيس الأعلى المؤسس لحزب “الكتائب اللبنانية” الذي بعد كأس دماء كنيسة سيدة الخلاص عين الرمّانة في 13 نيسان 1975 قد قارب عديده المئة وعشرين ألف بين منتسبٍ ومناصر…
الشيخ بيار الذي عاش حتى مطلع فتوَّته في أرض الفراعنة مصر، فإن بشيره لم يستهويه من الأمصار المصرية مثلما استهواه كتاب للأديب المصري المبدع “إحسان عبد القدوس” وعنوان ذلك الكتاب الروائي الثوري: “لن أعيش في جلباب أبي”. ..
منذ طفولته والأصغر بين ابنَي الشيخ بيار والشيخة جنفياف، يبحث لأسمه عن تذكرة هوية من عامة الناس تؤهِّله لنيل وسام آية الأمثال العصاميَّة: “لا تقل أصلي وفصلي فإن أصل الفتى ما قد فعل”. وكان الباش فتى فتيان “الكتائب” و”القوات اللبنانية” ولبنان سِفر أمثال الكتاب المقدس. غادر دارة الخلافة الجميِّليّة متمرِّدًا على موروثات الفوقيَّة وأعرافها، ملتحقًا بالدونيّة الشعبية المؤمنة بنزاهة ألأرض، أرض التجارب في تقييم الرجال.
ليلاً نهارًا عايش رفاق متاريس الصيفي والمرفأ والأسواق التجارية والسوديكو وفرن الشبّاك والحدث والليلكي حتى كفرشيما ولم يترك جبهة في لبنان إلاَّ وأخذ منها شهادة تقدير تخرِّجه مقاومًا مقاتلاً، لباسه وأكله وشربه ومنامته ذات لباس وأكل وشرب ومنامة رفاقه المقاومين، إلى أن بلغ به التفوق بالوفاء الأسنى اعتباره مقام رئاسة الجمهورية بمقام رئيس فخامته من فخامة سجوده أمام قبر شهيد!
بشير مؤسس جيل ثالث من أجيال مقاومة وقوات لبنانية فسبَّب له هذا التأسيس الخارج عن المشيئة الحزبية الجزويتيَّة العليا مواجهة باطنيَّة وظاهرة مع نظاميَّة جزويتٍ عائليّ، حزبي، ميثاقي، و”الكتائب اللبنانية” هي من الأوائل بين أركان ميثاق 1943 المدبَّج بقواعد مزيبقة على قياس 6 و6 مكرَّر… فتكرَّرت الصدمات والاصطدامات منذ ذلك الميثاق الزيبقي الذي كتب له البشير ورقة نعيه بيده!
إن عرفنا الحقَّ فالحقُّ حتمًا يحرِّرنا ويعتقنا من مجموعة سندات ملكيَّة تخوِّلنا امتلاك الباش كأنَّنا وياعارنا، نمتلك مشاعًا نستثمره كلما دارت فينا دورات الاستثمار في سعادة ومعالي.
إنَّ الأحق بوراثة بشير بيار الجميِّل هما تحديدًا هذين التَّاريخين الوجوديين:
أ ـ تاريخ ارتفاع الصَّليب على يد إمبراطور الإيمان هرقل عام 628 مسيحية.
ب ـ تاريخ ارتفاع البشير على يد صليب وزنه وزن دماء خمسة عشرة ألف أخ ورفيق أسست دماؤهم اللبنانية الرسولية المسكونية بيعة 14 أيلول 1982!!
بشير
أيلولك 2025 تتأمَّله ونتأمَّله معك نهوضًا إلى ورشة عاميَّة، ورشة تزيل الرُّكام العام، ردميات قاطعة للأنفاس تراكمت فوقنا أخطر بكثير من ردم بيت كتائب الأشرفية مساء تمَّت بك وبنا آية: “من بيت أبي ضربت”، بعد نجاح الحيَّة الأممية ومعها حواء بلدية من التسلُّل إلى سقف العرين…
هابيل وقايين يتراكمان بين أهل الدّار، دار يوحنا مارون، وشهداؤنا نكفِّنهم بقسمةٍ وانقسامات أين منهم اقتسام ثياب المصلوب والاقتراع عليها، وسقوط بيت كتائب الأشرفية ليلة عيد صليب أيلول 1982 ما أهونه على سقوط حجاب الهيكل من دون أن يستثني رأسًا!!
مئاتٌ من أعياد صلباننا مرَّت ومئاتٌ أخرى ستمرُّ وتلك الترنيمة السريانية تصدح ولا تكِلُّ من الصُّداح: “بوخ نِدقَر لَبعِلدبوبَين”، أي بك نقهر أعداءنا. بصلبنان سمعان السَّبعة فوق مطلاَّت تلالنا. بصليبكَ الأيلوليِّ القارئ نوايا مجموعات قداديس أيلول سنقهر أعداء لبنانك ولبناننا يا بشير!!!