

.jpg)




.jpg)
بشير “الملاك الغضبان” أي كاريزما؟.. وصار فخر الدين وحلم لبنان الـ10452
“نحن قديسو هذا الشرق وشياطينه”، قالها بشير يومًا هادرًا بكاريزماتيته، بصوت صاحب الحق الذي لا يعلو عليه صوت، بنبرة حاسمة قوية، بقبضة واثقة تعلو وتحذّر، بإرادة صلبة تخطِّط وتنفذ، وبنظاراته “الريبان” الشهيرة التي تخفي وراءها ما تخفيه من أسرار كاريزماتية ذاك القائد الشهير… وإن كانت الكاريزما منذ فجر التاريخ مرتبطة بهالة الأنبياء والقديسين، وإن كان يسوع المسيح الكاريزماتي الأكبر في تاريخ البشرية، لكن ثمة وجه آخر خطير للكاريزما، هي كاريزما الشيطان “الخادعة”، هتلر كان كاريزماتي، موسوليني أيضًا، وغيرهم كثيرون، زعماء، قادة وطغاة مجرمون، حكموا واجتذبوا إليهم الآلاف بخداع قضاياهم، فأين كاريزما بشير تلك بين كاريزما القديسين وكاريزما الشياطين؟ وما سرّها؟
برصيد سنوات قليلة في السياسة والعسكر، بشخصية قيادية قوية وحضور مؤثر، تحوّل بشير الجميل بشهادة الحلفاء والمؤيدين والخصوم الى أكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل في تاريخ لبنان الحديث، وشكّل ظاهرة فريدة لا تزال ماثلة في الأذهان على رغم مرور عشرات السنوات على استشهاده، حافرًا عميقاً في الوجدان اللبناني بشكل عام، والمسيحي بشكل خاص، رمزًا وطنيًا وأيقونة سياسية وحلمًا، متجاوزا الأحزاب والتيارات التي خرج منها.
الملاك الغضبان
ذاك “الملاك الغضبان”، كما كان أعضاء فريق عمله يصفونه، الذي “وجد نفسه في الحرب ولم يخترها”، تمتع بكاريزما استثنائية منحته قدرة كبيرة على جذب الانتباه والإعجاب والتأثير بالآخرين، كاريزما كان سرّها الكبير بكل بساطة “صدق” بشير، كما يقول صديقه المخرج والممثل القدير منير معاصري.
الحديث عن بشير الجميل يلهمه بالكثير، يقولون إنه كان أستاذه الشاطر الذي لقنه جيدًا “فن الكاريزما”، لكن الفنان المخضرم صاحب السجل الفني المذهب إبداعاً فنياً مسرحياً وتلفزيونياً وسينمائياً، لا يكترث بما يُقال، «عندما تعرّفت إليه كان لبنان غارقاً في الحرب، كان بشير من جماعة المقاومة يدافع عن الوجود بكل بساطة، وخلاصة توجّهه يومذاك: إما نستسلم وإما نقاوم، وكانت صرخته الشهيرة “يا شباب ما بدنا نفلّ”. ومن وقتها ما عدنا افترقنا”.
يقول المسرحي الكبير إن الكاريزما “هبة من الله، تخلق مع أشخاص معيّنين وتنبع من المصداقية والحقيقة التي ترتسم على وجوههم، هذه هي الكاريزما الحقيقية غير الخادعة، بشير كان مؤمنًا بقضية، كاريزماه كانت “مهيبة” تنبع من التزامه وإيمانه بقضية آمن بها وعمل لها، لما كان بشير يخطب كانت المنطقة الغربية تعيش حالة استنفار عام يترقبون خطابه، ظناً منهم أن الخطاب سيليه أمر بغزو الغربية. كان بشير ظاهرة قوية يُحسب لها ألف حساب، لأن الكل كان يعرف ويدرك أن بشير ما كان يكثر الكلام، كان يقول ما يجب أن يُقال، والأهم أنه قبل كل كلام، كان يخطِّط، ينفذ، وبعدها يحكي عما فعل. كانت هذه أولى قواعد كاريزماتيته التي اكتسبها بشير ونفذها بحذافيرها. وما كان ليورّط يومًا نفسه بوعود قد لا يتمكن من تنفيذها، وهنا سر مصداقيته”.
مشى بشير على هذا المبدأ مجسدًا المصداقية بكلامه وخططه، ما أكسبه ثقة وطمأنينة الى قيادته، “كل شيء معه كان “عالمكشوف”، كلامه البسيط، عفويته، جديته، رزانة في الخطاب مقرونة بالحزم والقوة، في الموقف والتصميم”.
ويضيف معاصري: “مصداقية بشير كانت تشع من وجهه من إيمانه بقضية كبيرة كانت هاجسه، تسكنه ويحملها على أكتافه بكل إخلاص من دون أي تكلّف أو جهد”.
كاريزما بشير أخذتنا الى الخلاص
“لم يكن بشير سياسيًا كان رجل مقاومة، وهناك فرق بين الفكر المقاوم والفكر السياسي. فالسياسة غالبا ما تُبنى على التنازلات والمساومة، بينما المقاومة مبنيّة على الحق المكتسب لك. وأهم ما فعله بشير أنه لم يفلسف القضية، فعندما كنا نجتمع كان السؤال: مين إلو الحق يقللّي إنت مطرحك مش هون، كان بدُّن يشيلو المسيحيين ويحطوا الفلسطيني محلنا، وكان الجواب: لدينا ثلاثة خيارات: إما أن نقتنع بالرحيل، إما نندعس بجزمة المحتل، وإما نقاوم بكل بساطة، وكان قرار بشير المقاومة من دون أي فلسفة للقضية.. كان ولاؤه للبنان ومواجهة كل من أراد وضع يده عليه، من هنا انطلقت فكرة ومفهوم المقاومة وكان شعار بشير الشهير “هوجمنا كمسيحيين ودافعنا كلبنانيين عن كل لبنان”.
وبالمباشر يعلن صديق بشير الحقيقة: “القضية التي كان يحملها هي سرّ كاريزماه وهي ما جعلت منه قائدًا كبيرًا. ثمة كاريزما تأخذنا الى الهلاك، وأخرى تأخذنا الى الخلاص، كاريزما بشير كان سرّها وقوتها “الحفاظ على وجودنا في هذا البلد ومواجهة من تجرأ وسمح لنفسه بأن يقول لنا “فلّوا من هون”، وكان له ما أراد.. وها هو التاريخ يسجل لولا المقاومة المسيحية لما كان في شي بعد إسمو لبنان”.
“يغمر الجمهور بنظره”
نسأل: هل تلقَّى بشير دروسًا في الكاريزما كما فعل الرئيس الراحل كميل شمعون، يجيب: “بشير كان يملك الكاريزما، ما فعلناه هو صقلها من خلال إبراز ما يتمتع به من ميزات خاصة وجاذبية ومهارات في خطاباته، في وقفته في حركات يديه في نظراته التي تميّز بها بشكل خاص، حيث كان “يغمر بها الجمهور”، كيف ذلك؟
يشرح معاصري: “مهم جدًا أن يتمكّن القائد خلال إلقاء خطابه أن يحرّك إحساس كل جمهوره من الصف الأول وحتى الصف الأخير، من هم الى شماله كما من هم الى يمينه، ومن هم أمامه مباشرة. كان يتوجّه لكل شخص منهم مباشرة، ويقنعهم بأن خطابه موجّه لكل واحد منهم فردًا فردًا. هذا ما تميّز به بشير، كانت لديه القدرة على أن يغمر كل جمهوره بنظره”..
ويلفت معاصري الى أن خطاب بشير تميّز بجديته بعيدًا من المزاح والنكات إلا نادرًا، وإذا استعمل النكتة تكون رسالة متممة لخطابه. ويتوقف عند عبارة “فاجأناكم مو” التي كان بشير أول من استعملها حيث اعتمدها ولفظها باللهجة السورية، وعرف جمهوره من خلالها لمن يتوجّه بشير وأي رسالة تحملها. هذه هي النكتة الذكية “التلميحية” الخاطفة التي لا تتعدى الكلمتين، مراعيًا ظروف الناس الصعبة التي لا تتحمّل لا نكاتاً ولا مرقعة، ومدركاً أن الكثير من المزح والنكات سيفقد القائد حتمّا الكثير من هالته”.
باللغة العامية.. وارتجالا
مع بشير يطول حبل الأسئلة، وهنا لا بدّ من التوقف عند حكاية بشير مع الخطابات باللغة العامية، ويقول معاصري إن بشير كان يفضّل إلقاء خطاباته بالعامية، وارتجالاً، لما تعكسه من صدق في التعبير وعفوية وثورة جارفة على كل ما يمس لبنانه.
لكنه بالتوازي، كان يعتمد اللغة الفصحى، وذلك بحسب المناسبة والظرف والمكان. وعندما يعتمد على الخطاب المكتوب كان يختار كلماته بدقة وباقتضاب مبتعدًا قدر الإمكان عن الكلام المطول.
قلّة كلام بشير، كانت تقابلها موهبة كبيرة في فن الإصغاء، كان بشير يسمع جيدًا. قلائل من يملكون هذه الموهبة من قادة لبنان اليوم، نراهم على الشاشات يثرثرون ويتساجلون ولا أحد يستمع للآخر، حتى تتحوّل برامج التوك شو الى سجالات عقيمة، والحكمة تقول إستمع لمن أمامك لتعزّز جوابك، دعه يتكلم ويفرغ كلامه وغضبه وعندما ينتهي أنقره بكلمتين تفرغ فحوى كلامه وتحطمه، هكذا تكون الشطارة. هنا كانت عبقرية بشير، كان يصغي جيدا، واكثر من ذلك بكثير، اليكم ما فعله.
الكل كان يحلم ويعمل لعهد بشير
ميل بشير الى الإصغاء للآخرين دفعه لإنشاء فريق كبير حوله من المستشارين أطلق عليه إسم “غاما” وكان يضم 90 عضوًا من الاختصاصيين والخبراء، وكان بمثابة “الدماغ” الذي يحضّر لعهد بشير، ويهندس لسياسته ومبادئ قيادته وعهده الجمهوري، ما قاده إلى تقديم المنطقة الشرقية نموذجًا للجمهورية القوية التي حلم بها وبإرسائها في وطن شلّعته حروب الآخرين، إلى حد دفع بالناس إلى حمل السلاح دفاعًا عن الوجود والكيان، فيما الخصوم يسألون دائماً: كيف تمكّن بشير من جعل المنطقة الشرقية قويّة بهذا القدر.
نعم، أحاط بشير نفسه بـ”غروب غاما”، وبأشخاص يتمتعون بخبرات عالية، في كل القطاعات السياسة والاقتصاد والأمن والتربية والإنماء والرياضة والشؤون الاجتماعية وغيرها… صارت مجموعة من المفكرين والمثقفين جزءًا أساسيًا من مجموعة “غاما” تلك تحيط ببشير وتؤسس لعهده رئيسًا وقائدًا.
الكل كان يحلم ببشير، الكل كان يحلم ويعمل لعهده، لقضية صارت قضيتهم جميعًا، وفي المقابل الكل كان خائفاً على بشير، على الحلم، لكن هو ما كان خائفاً “كان مؤمنا بالإرادة الإلهية، يرسم إشارة الصليب على صدره ويسلّمها ربانية، كان يقول إذا بدهن يقتلوني راح يطالوني شو ما عملت، مستشهدًا دائما بحادثة اغتيال الرئيس المصري أنور السادات”.
يقول معاصري: “القائد الكبير يضع حوله مستشارين متخصصين أذكى منه.. والأهم أن يصغي لهم، وهذا ما أدركه بشير وفعله بكل جرأة وانفتاح وتواضع. لماذا لم يكن يتلعثم أو يخطئ في خطاباته طيلة مسيرته لأنه كان يعرف ما يقول، وإن اصطدم بما لا يعرفه كان يمتنع عن الجواب ويقولها بكل بساطة، ما كان يومًا ليتطفل ويحكي بموضوع لا يعرفه، أحيانا في اجتماعات كثيرة مع مجموعة مفكرين ومثقفين، كان بشير يبدي صمتاً وإصغاءً عميقاً لما يقولون ويدلون به من آراء، وأروع ما فيه أنه ما كان يومًا يدّعي المعرفة لكنه كان يبدي اهتمامًا كبيرًا للمعرفة، شغلة ما بيعرفها كان لا يتوانى للإستفسار حول معناها”. “أنا بهالشغلة profane فهمني شو بتعني”.
ويتذكر “أوقات كثيرة كان بشير يشارك باجتماعاتنا، كان يحضر ويستمع بإسهاب، ما كان حضوره أبدا يعني أنه هو من سيتكلم والآخرون يصغون، كان يصغي كثيرًا ويستمتع بنقاشات يوسف الخال وأنسي الحاج وفريد سلمان (رئيس لجنة جبران خليل جبران) الشعرية، كانت اجتماعات رائعة لأدمغة كبار يتفاعلون ويتبادلون الآراء وبشير حاضر يستمع ويبدي رأيه، تماما كما بعد حضوره أي عمل مسرحي، وقد شكل هؤلاء المثقفون نواة من 6 الى 7 أشخاص وأخذوا جميعًا يحضّرون لأعمال ذات طابع وجودي، من معارض الرسم الى مسرحيات أنطوان جبارة الى أشعار ونصوص يوسف الخال عبر لبنان الحر، الى أناشيد موريس عواد، وأعمال مباشرة وأخرى غير مباشرة.
ويلفت معاصري الى ميزة أخرى عزّزت كاريزما بشير هي خلفيته القانونية، فهو محام تدرج في مكتب محامي شهير وما تمكّن لاحقاً من الممارسة بفعل انخراطه بالمقاومة المسيحية، لكن حتمًا وبحكم خلفيته القانونية، اكتسب الحجة القوية الدامغة ووظفها في خطاباته ما أكسبه “دفشًا قويًا لفن الحجة” لديه.
رفعت طربيه يغار من معاصري.. والسبب بشير
حكايات ذاك القائد لا تنتهي، “كثير كان يبنى، الكثير كان سيطلق، كثير كان سيكون لبنان، لو عاش بشير، ولهذا قتلوه، كي لا يعيش ذاك البنان”. ويستهل الممثل المسرحي رفعت طربيه كلامه عن بشير باعتراف: “كنت أغار من منير معاصري لأنه كان صديقاً ومستشاراً لذاك القائد الكبير، من ذاك الوقت الطويل الذي كان يمضيه برفقته.. نيالو”، وما كان هو ببعيد عنه، فماذا عن حكاياته مع كاريزما بشير؟
المسرحي الكبير الذي امتهن الى جانب عمله الفني الراقي “تلقين رجال السياسة فن الحضور والخطاب والإلقاء”، وتدريب كبار السياسيين اللبنانيين من دون الإفصاح عن أسمائهم. يحسمها “ما حدا متل بشير”، ويستطرد: “بشير كان عندو ذاكرة فظيعة”. ويروي أنه تعرّف إليه لأول مرة عام 1977 في روما، خلال مناسبة الاحتفال بتطويب القديس شربل وكان هو في عداد فريق مسرحية شربل من كتابة وإخراج ريمون جبارة التي قُدمت يومذاك في روما تزامنا مع حدث التطويب في كنيسة سيستينا الشهيرة، ويقول “ما كان وقتا في قوات لبنانية، لكن نجم بشير الجميل كان قد بدأ يلمع، كلمته كلمة، قائد حازم لا يتردد في اتخاذ القرارات الكبيرة”.
لدى رفعت طربيه الكثير ليرويه عن “كاريزما الشيخ بشير”، مع ترجيحه أن كاريزماتية بشير تلقائية يملكها بالفطرة، كما والده الشيخ بيار، وإن كان أقل كاريزماتية من بشير، لكن ذلك لم يمنعه من تطويرها وصقلها، ليتولّى هذه المهمة الفنان القدير منير معاصري. “منير كان مقرّبًا جدًا منه، كان صديقه، واشتغل جيدًا على صقل كاريزماتية بشير”، كيف؟
يجيب طربيه: “هي تمارين مسرحية يتولاها غالبًا خبراء في المسرح، تعمل على تعزيز الحضور، والآداء”. ويخبرنا عن علاقة مميّزة ربطت بشير بالفنانين والمثقفين، فكيف بدأت؟
“أراد ريمون جبارة عرض مسرحيته “زرادشت صار كلبا”، وكان بشير الجميل قد إصبح قائدًا لـ”القوات اللبنانية” وكان يطلق عليه لقب “البعبع” وكلمته لا تصير إثنين، المسرحية كانت قوية جدًا ولاذعة وتطال القيادات والقيّمين على المنطقة الشرقية، وكان رأي المستشارين فارس الزغبي وجوزيف زعرور بعدم عرض المسرحية، وكانت نصيحتهم لريمون جبارة “إذا بدك تفجّر بيتك قدم المسرحية”.
ويتابع طربيه “خفنا وقررنا نوقف المسرحية وذهبنا الى منزل ريمون جبارة، لنلتقي هناك بألفرد ماضي الذي رآنا “مبوّزين وزعلانين”. أخبرناه بما حصل فطلب منا نص المسرحية، وقال إنه سيطلع الشيخ بشير عليه، وهذا ما حصل، وكانت المفاجأة بوصول الشيخ بشير ليلاً الى منزل جبارة وقال له: “إن لم تقدم هذه المسرحية سأفجّر منزلك، ستقدمها وأنا أول واحد معزوم عليها”.
إعجاب الممثل القدير بالقائد الراحل لا يُخفى، يسترسل بأحاديثه عنه متنقلاً من حكاية الى حكاية، والخلاصة “ما حدا عندو كاريزما بشير الجميل، بشير كان يملك هذه الهالة حتى ولو لم يتعلم الكاريزما، بس منير شاطر ساعده على صقلها”.
ويتوقف طربيه عند أشياء أخرى بسيطة طبعت شخصية بشير وصارت لصيقة بها، أبرزها نظارات “الريبان” التي صارت “ماركة مسجلة باسمه”، بشخصه وإطلالته، كذلك خطابه السياسي المقتضب، كان يصيغه بأقل من 100 جملة، يلقيه مستعملاً الكلام المناسب في الوقت المناسب. كان بشير يجيد جيدًا نبرة خطابه، “ملك فيا، ولما يحكي يُسحر سامعيه ولا يمكن إلا أن تصدّقه. كان مذهلاً مرعباً بخطاباته التي يُحسب لها ألف حساب وترجّف الفريق الآخر قصبًا”.
صار فخر الدين كل همّو بلادو
وفي معرض المقارنة أيضًا، يأخذنا أستاذ الكاريزما الى شخصيات أخرى، وليد جنبلاط، الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي “كان يتمتع أيضًا بالكاريزما لكن من نوع آخر، أما بشير فكان بدو يكون فخر الدين، ما كان فرقاني معو العالم كلو، ما كان همّو إلا بلادو لبنان كان شاغلو الأول والأخير، هذا سرّ كاريزماتيته وسحره، كان فعلاً رجل دولة من الطراز الرفيع”.
وأكثر من ذلك، يقول طربيه “نبرة بشير الحازمة في إلقاء خطاباته كان لها الأثر الكبير، حزم ورثه ولا شك من والده، لكنه تفوّق عليه”. ويكرر: “بشير في السياسة يشبه الى حد كبير كميل شمعون، وقد جمع ما بين كاريزما شمعون وحنكته وحزم ونظافة فؤاد شهاب وتواضع الياس سركيس”.
والخلاصة “لا أحد يُقارع بشير كاريزماتيًا. كان من طراز القادة الكبار في العالم، نابوليون، ديغول وغيرهم”. ويسترسل طربيه: “أسرار كاريزماتيته متعددة ولعل أبرزها اعتمادة اللغة العامية في خطابه، وملامح وجهه “الطفولية” التي كانت توحي بالصدق وتمنح جمهوره الراحة والطمأنينة. وأكثر من ذلك هو القائد الموثوق به الذي يعد وينفذ كل ما وعد به. ما كان بشير قائدًا يزرع أو يوزع أوهامًا.
في شعاره التاريخي “نحن ملائكة هذا الشرق وشياطينه نحن قديسون بس أوعا تلعبوا معنا”، رجّف بشير الطرف الآخر الذي أدرك جيدًا أنه أمام قائد يفعل وينفذ ما يقول، وشعاراته ليست شعارات طنانة وحسب بل هي في صلب معركته ومسيرته قائدًا فرئيسًا”.
يللي اغتالوه عرفوا شو عملوا
من فحوى تلك اللقاءات مع بشير يخبرنا طربيه: “قيمة بشير أنه تخطى حزب الكتائب، راح أبعد بكثير، راح أكثر نحو الشهابية، كان متأثرا بنهج الرئيس الراحل فؤاد شهاب، أراد أن يبني على طريقة شهاب، ولكم كان عهد شهاب حاضرًا في حواراتنا معه، وخصوصًا في أسلوبه بإدارة مؤسسات الدولة، واعتماده أشخاص أكفياء ونظيفي الكف؟ كان بشير يتوقف كثيرًا عند أهمية اختيار المدراء العامين، “الوزراء يأتون ويرحلون، المشكلة في المدراء هؤلاء ثابتون». ولو استمر رئيسًا للجمهورية كان سيكون همّه إختيار ومراقبة هؤلاء المدراء، لأنهم هم من يديرون الدولة”.
ويخبرنا طربيه كيف أحب بشير المثقفين والكتاب والفنانين، وكيف اخترق صفوفهم وأقنعهم به وبنهجه، وصاروا ركناً في فريق عمله، وكيف سلّم يوسف الخال إذاعة لبنان الحر. “يوسف الخال كان ثورة في عالم الشعر في العالم العربي صار الصديق الرقم 1 لبشير، وكان بمونته علينا يأمرنا كلنا روحوا اشتغلولوا. غالبية المثقفين كانوا يساريين ومع ذلك عشقوه وصاروا مستشارين له، ما تخلّينا عن يساريتنا، حمّلناه ياها ومشينا ورا”.
ويتذكر: “كان يوسف الخال “فرد شقفة” ولا يهاب أحدًا، وكان بشير يتحمّله ويضحك كثيرًا لقفشاته، وكان يسمع ويصغي كثيرًا وبعدها يأخذ القرارات الكبيرة والحاسمة. ما كان يقوله كان ينفذه بلا أي تردد، ولهيك نجح وصار قائد كبير ورئيس للجمهورية.. لو بعدو بشير عايش كان رح يغيّر مجرى التاريخ… يللّي اغتالوه عرفو شو عملو”.
رحل بشير وبقي في قلوب هؤلاء المثقفين. تابعوا أعمالهم وإبداعاتهم وطبعًا لم تنطفئ شعلة تلك المقاومة في قلوبهم، ريمون جبارة استمر حتى الآخر يقول “أحببت سمير جعجع لأنني أشم فيه رائحة بشير”، الشاعرة والرسامة مهى بيرقدار الخال، رسمت بشير لتقدمه للأطفال في كتاب “باشو”، كلهم لا زالوا يذكرون ذاك اللقاء الأول معه، وكيف صاروا ينتظرونه كل جمعة وكيف صارت قضيته قضيتهم وضحكته ضحكتهم وحماسته حماستهم.
وصار فخر الدين الـ10452
ويذكّرنا طربيه حين قام الرئيس صائب سلام بزيارة للشيخ بشير، وكيف تعمّد استقباله بعرض عسكري، وقد أراد من ذلك أن يريه قوته، ليقول له “اتكل عليّ هيدي القوة موجودة لتخدمك”، وهنا يتحدث طربيه عن بشيرين، بشير ما قبل انتخابه رئيسًا، وبشير الـ21 يومًا ما بعد انتخابه وقبل اغتياله.
“قبل كان قائدًا مسيحيًا، 20 يوم ما بعد الرئاسة، تغيّر الخطاب، صار فخر الدين الـ10452 كلم، وهو الشعار الذي أكسب قيادته بعدًا وطنيًا كبيرًا، ولا زال صداه يتردد في أذهان الأجيال المتلاحقة”.
نعم كان مذهلاً ما أحدثه بشير خلال 21 يومًا قبل اغتياله، رأيناه يزور البيت المركزي الكتائبي موعزًا إلى قيادات الحزب بالاستعداد لتسليم السلاح وتنظيم الصفوف لأن “صار في دولة هلق”.
هل فقد بشير شيئاً من كاريزماتيته بعدما خلع البدلة العسكرية؟
يجيب طربيه: “لما لبس البدلة المدنية صار مدني وديبلوماسي، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن مواقفه الحازمة، ولا تزال خطاباته في تلك المرحلة شاهدة على ذلك. بشير الـ20 يومًا صار أقوى بكثير، صار حقاً فخر الدين، صار حلم لبنان، ولما اغتيل، اغتيل معه ذاك الحلم.. عرفوا شو عملو”.. رحل بشير وتأجّلت برحيله كل الأحلام.
لقراءة المقال عبر “المسيرة” إضغط على الرابط التالي:
بشير “الملاك الغضبان”.. أي كاريزما؟