
يدور الشيخ نعيم حول نفسه، يدور ويدور ويدور، يدوخ، لكنه لا يُدوّخ أحداً. حالته باتت تثير التساؤلات لكثرة ما يدور محاولاً البحث عن مخرج أو مهرب أو مسرب ممّا أصبح واقعاً لا ردَّ له، نهاية سلاحه وجناحه العسكري وأدواره الإقليمية. لكن ربما هناك أكثر، فبالإضافة إلى الدوخة، ثمة مخاوف من أن الشيخ نعيم في طور الانتقال إلى مرحلة أصعب، في وقت يبدو موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون الحاسم من مسألة السلاح بقوله إن “القطار انطلق وممنوع الوقوف في وجهه”، غير مساعد، لمعالجة حالة الشيخ نعيم.
ثمة بعد ممّا يفاقم حالة الشيخ نعيم “الدايخ” والتي تقترب من ملامسة “الحالات الخطرة” على صحة العقل، إذ يجد أنه يراوح مكانه في موقفه من رفض تسليم السلاح، من دون نتيجة. فعلى المسار ذاته يخطو رئيس الحكومة نواف سلام جنباً إلى جنب مع الرئيس عون من قضية سلاح الشيخ نعيم غير الشرعي، بخطى ثابتة واثقة.
الشيخ نعيم يدعو المسؤولين إلى “الخروج من قصة حصرية السلاح”، فيعاجله رئيس الحكومة بأن “حصرية السلاح مسار انطلق ولا عودة إلى الوراء”. يحاول الشيخ نعيم القفز من حوار خشبي حول “الاستراتيجية الدفاعية” إلى تسلّق حوار في مخيّلته حول “استراتيجية الأمن الوطني”، فلا يتلقى سوى الخيبة من الرئيس سلام بتأكيده أن لا شيء اسمه استراتيجية دفاعية، ولا أحد يأخذنا إلى حوارات، القرارات تتخذ في المؤسسات الدستورية، أي أن استراتيجية الأمن الوطني مسألة من صلاحية الحكومة وتناقش وتُبحث وتقر في مجلس الوزراء.
الشيخ نعيم لا يريد شيئاً من كل هذا طبعاً، لا يريد استراتيجية دفاعية ولا استراتيجية أمن وطني، يريد بقاء سلاحه إلى الأبد، تارة للهيمنة والسلبطة على اللبنانيين والقبض على قرار الدولة اللبنانية، وطوراً لخدمة أولياء نعمته في طهران ومشاريعهم التوسعية ومد نفوذهم في المنطقة، وكورقة لابتزاز المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة، على طاولة المفاوضات. لكنه يصطدم بواقع تغيّر، وهو يعاني من شدة وطأته وقساوته عليه.
تبقى الدوخة أقل العوارض المتوقعة للشيخ نعيم، فبعد استغلال حزبه لخديعة الاستراتيجية الدفاعية على مدى سنوات، يدرك أن محاولاته لتسلق استراتيجية الأمن الوطني اليوم لتمييع حصرية السلاح، مستحيلة. ما قبل 5 آب 2025 ليس كما بعده، فسلاح “الحزب” اليوم بات بعد هذا التاريخ سلاحاً غير شرعي، والحكومة كلَّفت الجيش بمهمة حصر السلاح ونزع ومصادرة أي سلاح غير شرعي، والقطار انطلق ولا أحد يمكنه الوقوف بوجهه ولا عودة إلى الوراء كما أكد الرئيسان عون وسلام.
لذلك، ربما من المفيد لفت انتباه الشيخ نعيم، أنه ليس في موقع يمكنه فيه أن يسمح لنفسه بفرض حوارات حول سلاحه متسلّقاً استراتيجية الأمن الوطني، بمعنى “مش شغلك شيخ نعيم”. فأي بحث في أي استراتيجية للأمن الوطني، اليوم وفي ما يلي من الأيام، بات لا علاقة له بسلاح الشيخ نعيم غير الشرعي أو بما يماثله من السلاح.
سلاح الشيخ نعيم حُسم أمره وانتهى. استراتيجية الأمن الوطني مسألة وطنية سيادية بامتياز، تُبحث وتُقر في مجلس الوزراء وتُعرض على مجلس النواب للمصادقة عليها، إن قضت العناصر الدستورية بذلك، وطبعاً كل القضية برعاية رئيس الجمهورية، رئيس المجلس الأعلى للدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
لا خروج “من قصة حصرية السلاح” شيخ نعيم ولا مفر، بالتالي، من الأفضل أن تهدأ وتغادر حالة الانكار وتعترف بالوقائع الجديدة بأسرع وقت وقبل فوات الأوان، فتزول الدوخة، وإلا، حذارِ، إن تابعت على هذا النحو فقد تصاب بالجنون!.
