
أقول مسبقاً إنني لا أبالغ في ما سأتحدث عنه ولا أنمّق. كلامي على بشير الجميل، بعد (43) عامًا على انتقاله إلى الحياة الخالدة، واقعي، موضوعي صادق كلّ الصدق على الرغم من عاطفتي الخاصة تجاهه. العاطفة شيء والحقائق التاريخية شيء آخر. عاش بشير معاناة شعبه بكلّ كيانه واستوعب ما كان يحصل. وقام بما عليه بجرأة نادرة. جميع الذين عايشوه كانوا مدهوشين من أسلوب اقتحامه الظروف والأوقات العصيبة، وفهمه لما يجري، وإدراكه، بعد المداولات، ما ينبغي القيام به.
1975 ـ 1982، سنوات سبع من نضال لم يعرف الكلل، تُوِّجت بانتصار الوجود الحرّ على محاولات خنقه وتمزيقه واستعباده.
كنتُ عضوًا عاملا وفاعلاً في حزب “الكتائب اللبنانية” منذ العام 1952. ولكنني لم أكن أعرف بشير، ولم ألتقه ولا مرّة قبل خريف العام 1975.
عصر يوم الخميس الواقع فيه 27 تشرين الثاني 1975، اتصل بي رفيقي وصديقي الكبير جوزف أبو خليل، هاتفيًا، ليعلمني أنه آتٍ لزيارتي الليلة برفقة الشيخ بشير الجميل. وصل الرجلان في أول السهرة. دار الحديث حول مواضيع الساعة.
وكان المسيحيون قد لاحظوا أن حادثة، مثل حادثة بوسطة عين الرمانة، أنتجت، بسرعة هائلة يكاد يستوعبها الوعي، وعلى نحوٍ غريب عجيب مريب، تداخلاً اختلاطيًا بين مطالب إسلامية، عمرها من عمر إنشاء الكيان، واستراتيجية فلسطينية مسلّحة تقول إنها تهدف إلى تحرير فلسطين، ودعوات اليسار إلى محاربة “الإمبريالية” الأميركية والغربية في لبنان. دام اللقاء حوالى ثلاث ساعات، كان فيها بشير مستمعًا وطارحًا أسئلة، أكثر مما كان متكلًمًا.
بين هذا اللقاء ومطلع شهر كانون الأول 1975، استفحلت الأزمة، وراح الخراب ينتشر في لبنان.
مساء يوم الجمعة الواقع فيه 5 كانون الأول 1975، اتصل بي بشير، هاتفيًا، وأعلمني أنه في طريقه إلى منزلي، وليس في رفقته أحد. فور وصوله، دخلنا في بحثٍ عمّا يمكن عمله لإنقاذ لبنان – الكيان، فإنقاذ المسيحيين مما يُدبّر لهم، خصوصًا بعدما ورد في توصيات لجنة الإصلاح السياسي، بتاريخ 14 تشرين الثاني 1975، المنبثقة من “لجنة الحوار الوطني” بـ”إلغاء الطائفية السياسية”. وكان ردّ حزب الكتائب بالرفض. وبحثنا أيضا، في زيارة الشيخ بيار الجميل غدًا السبت الواقع فيه 6 كانون الأول 1975، إلى سوريا، وتأثيرها على مجرى الأحداث. دام لقاؤنا حتى الساعة الواحدة والربع من صباح السبت. وكان بشير دقيقاً في أسئلته واستيضاحاته ومناقشاته.
عند انتهاء اللقاء، قال بشير: عليّ أن أصعد إلى بكفيا إما من طريق أنطلياس، وإما من طريق المون لاسال – عين سعادة ـ بعبدات. قلت له: طريق مون لاسال – عين سعادة موحشة جدًا في مثل هذه الساعة، ومخيم تل زعتر قريب منها. وأصررت على تفادي هذه الطريق. فقرّر عندئذ “كرمالي”، كما قال، سلوك طريق أنطلياس.
رنّ هاتف منزلي صباح السبت باكرًا جدًا. كان بشير على الخط.
قال: هل عرفت بما جری؟
قلت: لا!
قال: هناك مذبحة رهيبة في بيروت.
قلت: كيف؟ بين مَن ومّن؟
قال: بين جماعتنا والآخرين. والسبب مقتل أربعة كتائبيين على طريق المون لاسال – عين سعادة. نزل ذوو الضحايا ورفاقهم إلى بيروت، وبدأوا القتل على الهوية. ما يجري رهيب. ولست قادرًا على إيقاف المجزرة. لا أحد يُصغى إليّ. وكاد يُعتدى عليّ.
وهكذا عرفتُ بما سُمّي “السبت الأسود”.
وأغلق الهاتف بعدما شكرني لأنني أنقدته من الموت، كما قال.
ولما كان الشيء بالشيء يُذكر، يهمني أن أروي ما يأتي: اتصل بي بشير قبل ظهر يوم الثلاثاء في 14 أيلول 1982 ليعلمني بأنه سيجتمع كعادته، بأبناء الأشرفية بعد ظهر هذا اليوم. فليس من الضروري أن تكون (أنا أنطوان) موجودًا. وهذا ما حصل. فاستشهد. وبدوره أنقذني.
من كتاب “من أجل العدالة في الوطن” عن دار سائر المشرق
الكلمة موقف، أيًا يكن موقِعُها ووَقعُها. في الفكر، في السياسة،
في الدين، في الثقافة، في المجتمع، في الاقتصاد، في البيئة…
وحتى تصبح هذه “الكلمة” عابِرة في الزمان والمكان، تفتح مجلة “المسيرة” صفحتها “آخر الكلام” لكتَّاب وسياسيين ورجال دين وفكر وفلسفة واقتصاد، ليسطِّروا عليها كلمة… وموقف.
“المسيرة”
لقراءة المقال عبر “المسيرة” إضغط على الرابط التالي:
