#dfp #adsense

صليب الرب أملنا بالقيامة والانتصار

حجم الخط


كم كنا نفرح في القرية اللبنانية، وكم نفرح اليوم، حين نعيّد، أطفالاً وراشدين، عيد الصليب. ما أجمل هذه القبابيل وهذه الزِيَن الضوئية بالشموع وبمعجون الصفوة والكاز على السطوح وفي بلاكين المساكن، وعلى رؤوس التلال والهضبات! إنه لفرحٌ خاص عظيم يشعر به ابن القرية اللبنانية الجبليّة ويتطلّع إليه من سنة إلى سنة.

يربطنا هذا العيد بالقدس وبالقسطنطينية معًا، بالقدس حيث اكتشفت الإمبراطورة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، في أوائل القرن الرابع، عود الصليب الذي صُلب عليه المسيح، وبالقسطنطينية لأنها ما أن تأكدت من أنه هو العود الأصلي حتى أمرت بتشعيل الزِيَن على رؤوس التلال والجبال، ونقل خبر اكتشافه فورًا، من تلّة إلى تلّة ومن جبل إلى جبل، من القدس إلى ابنها الإمبراطور في القسطنطينية.

وهكذا مرّ هذا النقل النوري بجبالنا وتلالنا في لبنان، ووصل الخبر إلى القسطنطينية. بحسب التقليد بساعات، إن لم يكن بدقائق معدودات، ومنذ ذاك الحين، أي منذ نيف وستة عشر قرناً، ونحن نحتفل في لبنان بهذا العيد الشريف كل سنة في هذا اليوم. نحتفل به لأن الحدث انتقل خبره من رأس تلّة إلى رأس تلّة في بلادنا نحن. ما أجملها ذكرى وما أحبّها إلى قلوبنا نحن اللبنانيين!

لا يربطنا نحن المسيحيين عيد الصليب بالقدس وبالقسطنطينية، ولا بهذه التلال والجبال، فحسب، بل يربطنا بجميع مواطنينا غير المسيحيين. يربطنا بالمسلمين والدروز وحتى بالملحدين، ذلك لأن العقيدة المسيحية تؤكد أن الخلاص الذي أنجزه يسوع المسيح على الصليب يشمل العالم كله وليس المسيحيين وحسب. المسيح للجميع من دون استثناء، أعرفوه أم لم يعرفوه، ولذلك في عيد الصليب بالذات يجب أن نشعر نحن المسيحيين بقربى خاصة من إخوتنا غير المسيحيين. إن خلاص المسيح الشامل هو الذي يقرّبنا منهم. وانتصار المسيح بالصليب على الشيطان الذي فينا نحن المسيحيين كبشر هو الذي يوحّد بيننا وبين جميع البشر.

ما هي نعمة الصليب التي تقودنا حتما إلى الشكران وإلى الخدمة والتضحية؟ ليست مجرّد عقيدة لاهوتية. ليست قولاً تجريديًا بأن يسوع المسيح الناصري فدى العالم كله على الصليب. ليست اطمئنانًا زائفاً إلى أن فعل الفداء انتهى على الصليب ولم يبق لنا شيء نعمله نحن. ليست شعوراً عاطفياً سخيفا بما يسمّونه “الأخوّة الإنسانية” أو حتى “الأخوّة القومية”. ليست اندفاعًا مهما كان صادقا، ومهما نجم عنه من نتائج وأعمال، في سبيل تصوير حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والذود عنها والكفاح من أجلها.

إن نعمة الصليب غير هذه جميعًا.

نعمة الصليب هي ما نعرفه شخصيًا في حياتنا الروحية الداخلية حين نتألم ونتحمّل ونسكت ونصبر إلى أن يأتينا الفرج. أعني الفرج الداخلي. أعني فرج الروح. أعني نشوة الفرح والانتصار الداخليين. أعني تلك القوة الداخلية الفرحة الخلّاقة المتفجّرة العجيبة التي لا يعرفها ولا يمكن أن يعرفها إلا من تألّم بالفعل وصُلب واحتمل وسكت وصبر. تألّم ولم يتهرّب. تألّم ولم يتمرّد. تألّم ولم يثر. تألّم ولم يَلُمْ غيره. تألم ولم يُغرق آلامه بالنسيان في ملذات الحياة. تألّم وصمت. تألّم وصلّى. تألّم ولم يتزعزع إيمانه ذرة واحدة ولحظة واحدة بالله الحي، الكائن، الموجود، وبعدله، ورحمته، وعنايته ومحبته، وبأنه لا يجرّب ولا يمتحن، حتى بأقسى الآلام، حتى بالموت أحيانًا، إلا من يحبّ. تألّم ولم يكفر.

لذلك يخرج المسيحي المصلوب المنتصر، يخرج من ذاته، يمدّ يده، بنعمة المسيح ونعمة الصليب، إلى أخيه غير المسيحي، يخرج بدفق النعمة التي اكتسبها بالألم والصبر والقيامة، يشارك أخاه في كل شيء، ولا يطلب لقاء ذلك أي شيء.

هذه هي نعمة الصليب الحقيقية، ولا يعرفها إلا من خبرها بالفعل، وهو وحده يعرف مغزى الصليب الأصلي الذي سُمّر عليه المسيح.

أقول الأصلي، لأن صلباننا جميعا سخيفة حقيرة بالنسبة إلى صليبه هو، ولأن صلباننا هذه، على حقارتها وعلى سخافتها، فكل ما تحتوي عليه من حقيقة وأصالة إنما تنبع من صليبه هو.

فنحن إذا تألّمنا وصُلبنا فنستحق ذلك لأننا خطأة، ولا يوجد إنسان لا يعرف تماما أنه خاطئ. ولذلك لا يوجد إنسان لا يقرّ في قرارة نفسه بأن آلامه وتجاربه لربما هي أقل ما يستحق.

أما المسيح فلم يذنب في شيء. جُرِّب من الشيطان فتغلّب عليه في كل تجربة. عمل الخير فقط. بشّر بملكوت السماء. عمّد بالروح القدس. أطعم الجياع. شفى المرضى. رحم الضعفاء. أشفق على المساكين. غفر الذنوب. حوّل الزانيات إلى قديسات. أعطى تلاميذه، أبسط البشر، صيّادي السمك قوة روحية خارقة قلبوا بها الإمبراطورية الرومانية العظيمة كلّها رأسًا على عقب. كل كلمة فاه بها كانت صافية صفاء الله، واضطُهد ولم يعبأ، لُطم ولم يجب، تألّبت عليه قوى الظلام والشر كلّها في النفس البشرية فمرّ بها مرّ الكرام، ردّ على البغض بالمحبة، ردّ على الشك والاتهام ببث الثقة، ردّ على الطعن بالصمت، ردّ على الدسّ بإشاعة الخير، ردّ على المسمار يُسمّرونه به على عود الصليب بصلاته: “اغفر لهم يا أبتِ لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون”. قَبِل كأس الصليب مختارًا وهو يصلّي: “إذا كانت هذه هي إرادتك يا أبتِ فلتكن كما تشاء”.

لهذا كله، أعني لأنه كان بريئاً كاملاً في كل شيء، ومع ذلك صُلب، أقول إن صليبه هو الصليب الأصلي، وصلباننا كلّها، لأننا لسنا أبرياء على الإطلاق ولأنه ليس فينا كمال على الإطلاق، هي لا شيء بالنسبة إلى صليبه هو.

هو إذًا قدوتنا ومثالنا في الصلب وتحمّل الآلام، وهو قدوتنا في الصبر والإيمان الصامد بعدالة الله ورحمته.

ولأنه انتصر أخيرًا وقام، فهو أملنا بالقيامة والانتصار.

من كتاب “به كان كل شيء” ـ شهادة مؤمن (عن دار المشرق)

 

لقراءة المقال عبر “المسيرة” إضغط على الرابط التالي:

صليب الرب أملنا بالقيامة والإنتصار

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل