تدريجياً، سيحتل موضوع الانتخابات النيابية لربيع 2026 صدارة النقاش السياسي اللبناني، بل بدأ يأخذ حيّزاً كبيراً منذ اليوم، نظراً لأهمية هذه الانتخابات ومنحاها المصيري في تحديد الهوية السياسية اللبنانية في المرحلة المقبلة. من الواضح أنّ هناك فرقاء سياسيين يسعون إلى إبعاد كأس الانتخابات المرّة عنهم، بعدما خذلوا محازبيهم وأنصارهم وبيئتهم من خلال أدائهم السياسي المنحرف. وفي طليعة هؤلاء يبرز “الحزب” الذي يشعر بأنّ قوته تتضاءل وشعبيته تتآكل، والسلاح الذي كان يُمارس عبره سطوته على بيئته تراجع حضوره، وخصوصاً في الجنوب اللبناني.
أمّا الهمّ الثقيل الذي يُقلق “الحزب” في الدرجة الأولى، فهو وجود إمكانية كبيرة مُتاحة لخصومه في الفريق السيادي لانتزاع الأكثرية النيابية وخرق “البلوك” الشيعي انتخابياً، وإيصال رئيس مجلس نواب من صفوفه. وهذه ستكون هزيمة كبيرة للثنائي الشيعي عموماً ولـ”الحزب” خصوصاً. من هنا، يحاول الفريق الممانع منع المغتربين من انتخاب 128 نائباً، لأنّه يعلم أنّ هؤلاء يؤمنون بالدولة اللبنانية وخيارات الفريق السيادي، وسيصوّتون بحرية من دون تأثير مباشر من الثنائي، لمصلحة لبنان الدولة القوية والسيادة، وسيقطعون الطريق أمام إيران لممارسة هيمنتها على لبنان!. ومن جهته، يتشارك “التيار الوطني الحر” الهواجس نفسها مع الثنائي الشيعي، في ما يخصّ تصويت المغتربين، نظراً إلى شعبيته المتراجعة مسيحياً بسبب خياراته السياسية المخالفة للوجدان المسيحي التاريخي.
في المقابل، تبدو “القوات اللبنانية” الأكثر ارتياحاً لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، على الرغم من ترويج وسائل الممانعة لما هو خلاف ذلك هروباً إلى الأمام وحجباً للأزمة التي يعيشها “الحزب”. ومن يتابع مجريات الحياة السياسية لن يجد صعوبة في ملاحظة تقدّم “القوات” في تمثيلها النيابي منذ العام 2005 وحتى اليوم، فيما منافسها التقليدي “التيار” يتراجع في حجم تمثيله النيابي!.
وتشير توقعات واستطلاعات للرأي عديدة، إلى أنّ “القوات” قد يتجاوز عدد نوابها في المجلس النيابي المقبل الـ25 نائباً. فلماذا تسعى، كما يُروَّج، إلى تأجيل الانتخابات النيابية؟، بل على العكس، لها مصلحة قوية في إجراء هذه الانتخابات في موعدها، وقد أعلن ذلك رئيسها سمير جعجع في الكلمة التي ألقاها في ختام قداس شهداء المقاومة اللبنانية في 7 أيلول الحالي. علماً أنّ “القوات” تتحضّر لهذه الانتخابات بجدّية كبيرة داخلياً وخارجياً، وفق القانون النافذ حالياً، على الرغم من أنّها تأمل إدخال بعض التعديلات التي تزيد من مصداقية الانتخابات وشفافيتها مثل “الميغاسنتر”، الكوتا النسائية، واقتراع المغتربين لـ128 نائباً، وغيرها.
لن تقبل “القوات” بتأجيل موعد الانتخابات النيابية، طالما لا توجد ظروف قاهرة تحول دون إجرائها، بل ستقاتل من أجل أن تحصل في موعدها في أيار المقبل. ويساعدها في ذلك توجّهات رئيس الجمهورية جوزيف عون الذي يريد أن تحصل الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها، وخصوصاً أنّ عيون المجتمع الدولي مفتوحة جداً لتحقيق هذا الهدف. كما أنّ الحكومة اللبنانية، وتحديداً وزارة الداخلية، أعلنت جهوزيتها لإتمام هذه الانتخابات في التاريخ المحدّد.
لن يستطيع الرئيس نبيه بري الهروب أكثر في مسألة تحويل اقتراحات ومشاريع القوانين المتصلة بإدخال تعديلات على قانون الانتخاب إلى الهيئة العامة. وإذا تقاعس عن ذلك، فستجري الانتخابات بالقانون النافذ حالياً، أي بالوضعية التي طُبّق فيها خلال انتخابات 2022، أي مع اقتراع المغتربين لـ128 نائباً!.
ما تحقّقه “القوات” على الصعيدين الحكومي والنيابي يُسجّل لمصلحتها، وهناك ارتياح مسيحي ولبناني عام لأدائها وانحسار لموضوع السلاح الميليشياوي، ما يؤكّد رغبتها في إجراء هذه الانتخابات من دون مواربة، وستفشل محاولات التأجيل التي لن تفلح الممانعة في تكريسها. فالزمن الأول تحوّل، ولبنان انتقل إلى مرحلة أخرى عنوانها “نهوض الدولة”، و”القوات” ركن أساسي في عملية بناء هذه الدولة ورأس حربة في مواجهة مشاريع الدويلة المتهالكة.
