شهدت أواخر ستينيات القرن الماضي صدامًا كبيرًا بين وزير الثقافة المصري الأسبق الدكتور ثروت عكاشة، وجهاز الرقابة على المصنفات الفنية، وذلك على خلفية رفض الرقابة الترخيص لعرض مجموعة من الأفلام الأجنبية التي استوردتها المؤسسة المصرية العامة للسينما. القصة روتها السيدة اعتدال ممتاز، المديرة السابقة لجهاز الرقابة على المصنفات الفنية، في كتابها “مذكرات رقيبة سينما”، الذي نقل تفاصيل دقيقة عن تلك المواجهة المثيرة. وأوضحت أن المؤسسة العامة للسينما كانت قد استوردت عدة أفلام، لكنها فوجئت بقرار الرقابة برفض منحها التراخيص، رغم أن الأموال العامة صُرفت بالفعل على استيرادها.
أفلام مثيرة للجدل
تطرقت اعتدال ممتاز إلى بعض هذه الأعمال، ومنها فيلم Yankee الذي رفضه الرقباء بالإجماع، وبعد مشاهدتها له بنفسها أيّدت قرارهم، مؤكدة ضعف مستواه وعدم صلاحيته للعرض. أما الفيلم الثاني Elcisco، فرأت الرقابة أنه يمجد الجريمة ويجعل من المجرم بطلاً، ما يشكل خطراً على المتفرج، فضلاً عن ضعف إخراجه وسذاجة أحداثه. كذلك رفضت الرقابة الفيلم الثالث دولار بين الأسنان، مع التأكيد على ضرورة أن تدقق المؤسسة العامة للسينما في اختياراتها حتى لا تهدر أموال الدولة. هذه الملاحظة أغضبت مسؤولي المؤسسة، وأثارت استياء وكيل وزارة الثقافة الذي اعتبر أن الرقابة تجاوزت اختصاصها حينما تحدثت عن المال العام.
اقتحام المكتب وضغوط مفاجئة
وتروي اعتدال أنها فوجئت، بعد رفضها للأفلام، بقدوم رجلين ضخمَي البنية إلى مكتبها بعد انتهاء الدوام الرسمي، أحدهما حليق غاضب والآخر أسمر ذو لحية طويلة. وقدم الحليق صديقه المخرج الهندي الذي صرخ محتجاً: “لماذا منعت أفلامي؟”، لترد عليه اعتدال بأنها لا تعرفه، وأن القانون يمنحه حق التظلم بطرق رسمية وليس بمناقشة خارج أوقات العمل. وبعد جدال قصير، غادر الرجلان المكتب.
تدخل الوزير وكلمة “في السر”
في اليوم التالي، اتصل بها وزير الثقافة ثروت عكاشة بنفسه لمعرفة أسباب الرفض، كما حضر وكيل الوزارة إلى مكتبها للتحقق. وبعد مشاهدة الأفلام، أقرّ المسؤولون بصحة موقف الرقابة، ليعترف وكيل الوزارة قائلاً لها: “الدكتور ثروت قال لي: روح شوف الست دي بتهبب إيه في الأفلام؟ لكن بعد المشاهدة، اتضح له أن قرارك كان في محله”.
دلالة الواقعة
هذه الحادثة أبرزت حجم الضغوط التي كان يتعرض لها جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، كما عكست صراعاً بين متطلبات الفن وحماية المجتمع من الأعمال التي تُعتبر هابطة أو خطيرة على القيم العامة. وفي النهاية، خرجت الرقابة منتصرة في موقفها، بعدما أقرّ الوزير نفسه بصواب قراراتها، مؤكداً أن حماية الذوق العام تظل أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
