.jpg)
قبل المباشرة في التّركيز على الجريمة التي ارتكبها البعض في حقّ الاقتراع للمنتشِرين، لا بدّ من الإشارة الى أنّ هؤلاء كانوا أوّل مظهر عالميّ للبنان، ونشروا دعوة هذه الأرض في بقاع الدّنيا. فالوطنُ، في عمق العصب المهجريّ الحادّ، هو دِين يؤمن به أهل المُغترَبات في طاعةٍ وخشوع، وقد كانت له في وجدانهم سُنَنٌ وروابط لم يقطع رأسَها نَصلُ البُعد. إنّ الحنين، عند المنتشِرين، خبزٌ صلب العود، وتأمُّلٌ في قضيّة منفتحة على أرجاء الكَون، من هنا، تفلّتَت علاقة المهاجرة بالوطن من قمقم الزمان والمكان، فامتدّ لبنان، معهم، الى مدًى شموليّ كَوَّنَ، بحَدّ ذاته، عالَمًا.
أيّها العواقر، يا مَنْ تحرمون المنتشِرين من الاقتراع، كالمقيمين، لِ 128 نائبًا، إنّ سلوككم، لكثرة ما فيه من تخبّط، ولقلّة ما فيه من وطنيّة، ينفّذ مخطّط تشويه العلاقة بين لبنان والمنتشِرين، بل يدعو الى إضرام جريمةٍ نكراء خبيثة، وأنتم، بذلك، تحاربون الحقّ، وتُسهمون في تغليب الباطل. إنّ فهمكم لآليّة الديمقراطية هرطقة، فأنتم تجهلون عقيدتها، وتزيّفون الغاية منها، وتُأوّلون ماهيّتها تأويلًا فاسدًا، ليتأمّن، لديكم كلّ عناصر التّزوير، مطعَّمةً بالخُطَب السّوداء التي تنغّصُ هدأةَ المهاجرة، فبدلًا من طمأنينة يتمدّد فوقها احتياطيُّ الأمل، لديهم، بالمشاركة في الانتخابات، وهذا ليس من باب الصَّدقة، تنتابهم، بسببكم، مشاعر الغَصَص، لأنّكم جعلتم قامتَهم الوطنيّة متقاصرة، بسلبيّتكم المجرمة.
إنّ الذين عانوا وطأة الهجرة، هم على قَيد الوطنيّة، انتماءً وولاءً، أكثرَ من كلّ المُرائين الذين يمارسون الدَّجَل الوطني، فالمهاجرة لم يغمر قلوبَهم سكونُ البُعد، ولم يتقاعدوا عن الاهتمام ببلدهم، نضالًا دبلوماسيًّا وسياسيًّا دعمًا لقضيّة لبنان، وتزويدًا بالمال للتخفيف من المأساة الاقتصادية الموجعة بجَعلِ العُسرِ يُسرًا… لقد نظر المهاجرة الى الوطن نظرة تقديس، وكان شوقهم إليه أكبر من شوقٍ الى أهلٍ، وتراب، وهواء… بل الى غبطةٍ وبهجة، ومحبّة تربطُ كلّ ما في السّماء بكلّ ما على الأرض… إنّهم، حقًّا، قَناصلُ بلا مرسوم.
إنّ إهمال حقّ المغتربين بالاقتراع، كالمقيمين، شِفارٌ تمزّقُ الرّابط بين الخارج والدّاخل، وأَبطالُ هذه الجريمة عصبةٌ من البربر المنقادين الى نزعاتٍ ذاتيّة بعيدة عن الحماسة الوطنيّة، قوامها الاستئثار، والطّمع، والتحكّم بالقرار، واستباحة الحقوق، وممارسة الإقصاء، بأسلوبٍ آثِم، مخزونُه شرّ، واستبداد، واستقواء، وكفر أعوَج. ولكن، فَليَعلمْ مَنْ يعاشرون الشّياطين، بأنّ المنتشِرين هم ” مِنّا “، ينتسبون الى معشرنا، وضِلعُهم معنا، وحضورُهم فينا مُشَرَّبٌ بأنفاس الحنين، وقضيّتهم التزامٌ لنا لن يَرضخ، ولن يُقهَر. أمّا الطّارئون الذين يقع كلامهم في المهاجرة نَهبًا واختلاسًا، ولونًا من ألوان العَبَث، وتَنَكّرًا لحقّهم الوطنيّ، فهم ناقِصو المروءة، والكرامة، والشَّرف…