#dfp #adsense

انتخاب المغتربين حق يُفرض

حجم الخط

لبنان المغترب

تشكل الانتخابات النيابية في لبنان محطة أساسية في إعادة إنتاج الحياة السياسية وتجديد الشرعية الشعبية لمجلس النواب. وفي ظل الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية التي يعيشها لبنان، يبرز صوت المغترب كعنصر حاسم، إذ يشكل المغتربون رافعة انتخابية يمكن أن تُحدث توازنات جديدة وتكسر الاصطفافات التقليدية.

يُقدَّر عدد اللبنانيين المنتشرين في الخارج بأكثر من الضعف مقارنة بالمقيمين، وهم يتمتعون بحس وطني عالٍ ووعي سياسي متجدد نتيجة احتكاكهم بأنظمة ديمقراطية أكثر تطورًا. لذلك، فإن مشاركتهم في العملية الانتخابية لا تقتصر على حق طبيعي، بل تشكل وزناً وازناً في تقرير هوية المجلس النيابي وتوجهاته المستقبلية.

المغترب ليس مجرد مصدر مالي عبر التحويلات فقط، بل هو طاقة بشرية ومعرفية وثقافية هائلة وإشراك المغترب في الحياة المجتمعية والسياسية يعزز الانتماء، ويحوّل طاقاته إلى قوة دفع للتنمية بدلًا من الاكتفاء باعتباره “محفظة مالية”.

أثبتت تجربة انتخابات العام 2022 أن اقتراع المغتربين يمكن أن يُحدث خروقات فعلية في لوائح السلطة التقليدية، وهو ما أثار خشية محور الممانعة الذي يدرك حجم التأثير الممكن لهذا الصوت في كسر احتكاره للمقاعد النيابية.

وعلى الرغم من أن الدستور يكفل حق الاقتراع لجميع اللبنانيين من دون تمييز، فقد جرى إدخال مادة (المادة 122 من قانون الانتخاب) تنص على تخصيص 6 مقاعد للمغتربين موزعة على القارات، على أن يبدأ تطبيقها في دورة لاحقة. هذه الصيغة، في جوهرها، محاولة لتقليص وزن المغترب وحصره في ستة مقاعد رمزية بدل أن يكون شريكًا كاملاً في انتخاب الـ128 نائبًا.

غير أن هذا الخيار أثبت، مع مرور الوقت، أنه غير واقعي من الناحية التقنية، فهناك صعوبة في تقسيم الدوائر على أساس قاري وضمان عدالة التوزيع، إضافة الى غياب آلية عملية لتأمين اقتراع ملايين المنتشرين ضمن لوائح محدودة، لوجستيًا، من دون إغفال الجدل القائم حول هوية هذه المقاعد وتوزيعها طائفيًا ومذهبيًا بما يفتح الباب لصراعات إضافية.

الأغلبية النيابية الحالية تعلن انحيازها لخيار تصويت المغترب على أساس 128 نائبًا، باعتباره الحل الأكثر عدالة وواقعية. لكن المسألة تكمن في دور رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يمتنع حتى الآن عن دعوة المجلس إلى جلسة للتصويت على اقتراح إلغاء المادة 122.

السبب واضح. فالرئيس بري يدرك أن نتيجة التصويت لن تكون لصالح فريقه السياسي، لأن إقرار الاقتراح سيكرس مشاركة المغترب المؤثرة، بما يضعف نفوذ قوى الممانعة في المجلس المقبل.

أي محاولة للالتفاف على حق المغترب في التصويت الكامل ليست سوى محاولة لتقويض مبدأ المساواة الدستورية بين اللبنانيين، سواء كانوا مقيمين أو منتشرين. الواقع يفرض أن تكون أصوات المغتربين جزءًا لا يتجزأ من عملية انتخاب 128 نائبًا، لأن حصرهم بستة نواب هو خيار غير واضح وغير تطبيقي عمليًا، فضلًا عن كونه خطوة سياسية تهدف إلى تقييد التغيير الذي يمكن أن يفرضه الانتشار اللبناني.

الدولة لا تبنى بالاستفزاز، والمعركة ليست قانونية فقط بل سياسية بامتياز، وهي مرآة لصراع بين من يريد لبنان ديمقراطيًا مفتوحًا على محيطه وعالمه، ومن يريد تكبيله داخل معادلات داخلية ضيقة تضمن بقاءه في السلطة.

جوسي حنا ـ رئيسة مكتب اللقاءات الإلكترونية في الجامعة الشعبية في جهاز التنشئة السياسية لحزب القوات اللبنانية

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل