
على الرغم من إنهاء مسؤول الدعاية النازية جوزيف غوبلز لحياته في الأول من أيار من العام 1945، مع إنهائه لحياة أطفاله الستة وزوجته، في مخبئه في برلين بعد اجتياح القوات السوفيتية للمدينة في نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط الحكم النازي، لا تزال عبارته “أكذب ثم أكذب ثم أكذب حتى يصدقك الناس” طريقًا يسلكه شذاذ الإعلام والسياسة والاقتصاد والعسكر، حافظين لوصية النازية تلك، مقلدين لممارساتها وممجدين مجددين لها، بأوجهها المتعددة وجنسياتها المختلفة. قد يكون “الحزب” وأسياده وحلفاؤه في الإقليم ولبنان خير تعبير عن الوفاء للنازية وممارساتها وغوبلز ووصاياه وعبارته المشهورة الممهورة باسمه.
انطلاقًا من السيرة الغوبلزية الطويلة لرؤوس الممانعة وسواعدهم والمساعدين، نتوقف عند مصطلح “الميثاقية” والذي كذب بشأنه غوبلزيو الممانعة “ثم كذبوا ثم كذبوا حتى صدّقوا أنفسهم”، في حين أن ممارستهم انطلاقًا من نفس المصطلح، كشفهم وعرّاهم، ومع ذلك ما زالوا يكذبون.
فـ”الحزب” لم يراع ميثاقية في قرارات حربه وسلمه، وفي احتفاظه بسلاحه، وميثاقيته هذه رفضها ويرفضها اليوم القسم الأكبر من المسيحيين أكثرية وأقليات موارنة وأرثوذكسًا وكاثوليك، أرمنًا سريانًا وأشوريين وأقباط وكلدان، كما يقف بوجهها القسم الأكبر من المسلمين سنة ودروزًا وعلويين وشيعة إثتي عشرية حرة لا تؤمن بولاية الفقيه الإيراني، كما لم يراع تلك الميثاقية مهيمنًا على القرار السياسي والاقتصادي في فرضه الحكومات والوزراء ومصادرته لمفتاح المجلس النيابي وتعطيله للاستحقاقات لتجييرها لصالحه أو للحلفاء التابعين المساعدين مثل التيار الوطني الحر الرافع لنفس شماعة الميثاقية والذي افتتح حياته السياسية بحكومة “مسيحية” غاب عنها المسلمون، كما غاب عن قراراتها بشن الحروب والتعيينات والتحالفات الخارجية والداخلية وحل المجلس النيابي قسم كبير من المسيحيين وكل المسلمين.
أمام “أكذب ثم أكذب ثم أكذب” عن الميثاقية، لن يصدقك المدرك الواعي والقارئ، إذ ان الطائف اعتمد وتكلم عن المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في التمثيل النيابي والوظائف العامة في الفئة الأولى، وأبقى على هذه المناصفة كعنصر أساسي في النظام حتى بعد إلغاء الطائفية السياسية بشكل تدريجي. وجاء في المادة 24 المعدّلة من الدستور: “تُوزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين”. أما في المادة 95، فورد ما يلي: “تلغى قاعدة التمثيل الطائفي، ويُعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين من دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة”. هذه النصوص لا تترك مجالًا للشك في أن الميثاقية تُقاس على أساس التوازن الإسلامي ـ المسيحي، وليس على أساس تمثيل كل طائفة من الطوائف الثمانية عشر.
وتنص الفقرة “ي” من مقدمة الدستور على ما يلي: “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، وقد فسّر الفقه الدستوري اللبناني هذا النص على أنه يحمي التوازن الإسلامي ـ المسيحي، لا التمثيل الطائفي لكل فئة على حدة. بمعنى آخر، لا يمكن لطائفة واحدة أن تحتكر حق إسقاط شرعية الدولة. فإذا وُجد تمثيل متوازن بين المسيحيين والمسلمين، فإن غياب أي طائفة ضمن كل مكوّن لا يُشكّل خللاً في الميثاقية.
في مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها الذي ورد في الفقرة “هـ” من مقدمة الدستور، يمنع أي فريق أو سلطة أو طائفة من احتكار القرار أو فرض الفيتو بشكل دائم. وأي مخالفة لهذا المبدأ تقود إلى شلل دائم، لا إلى شراكة… لتكون الميثاقية في لبنان صيغة عيش مشترك بين جماعتين تتقاسمان السلطة وفق قاعدة المناصفة. وكل ما عدا ذلك هو محاولة لتفكيك الدولة وإخضاعها للابتزاز.
وفي موضوع “حاملي السلاح، أشرف الناس”، تنص المادة 7 من الدستور اللبناني على أن “كل اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم”. وتؤكد هذه المادة على مبدأ المساواة بين جميع المواطنين اللبنانيين أمام القانون بغض النظر عن أي فروقات أخرى.
وفي شرح للمادة 7 لعلهم يفقهون المساواة أمام القانون: يعني أن القانون يطبق على جميع المواطنين بشكل متساوٍ من دون تمييز.
ـ الحقوق المدنية والسياسية: يشمل ذلك الحق في التصويت، وتولي الوظائف العامة، والحصول على جميع الخدمات والمزايا المتاحة للمواطنين. د
ـ الفرائض والواجبات العامة: يتوجب على جميع المواطنين الالتزام بالواجبات المفروضة عليهم من قبل الدولة والمجتمع، كدفع الضرائب والخدمة العسكرية (في حالة وجودها).
ـ عدم التمييز: تؤكد المادة بشكل قاطع على عدم وجود أي فرق بين اللبنانيين من حيث الحقوق أو الواجبات.
مع التنويه بأن الجلسات الثلاث إنما انعقدت بحضور جميع الوزراء بمن فيهم وزراء الثنائي، أي أنها كانت جلسات ميثاقية، وخروج الوزراء الشيعة لا يبطل ميثاقيتها بحسب سردية الثنائي، فإن كل ما تقدم من وقائع يكشف اعتماد عبارة الممانعة الغوبلزية “أكذب ثم أكذب” عن الميثاقية، وهذا ما يدفعنا الى اعتماد مبدأ الطريق الى اليقين باعتماد آلية صادقة ترتكز على “لنسلم جدلاً” بصحة ما ساقه الثنائي الشيعي غير الوطني عن جلستي 5 و7 آب 2025 وما أقره الوزراء من الطوائف المسيحية والاسلامية: موارنة وأرثوذكس وكاتوليك وإنجيليين، وسنة ودروزًا، وما تلاها من جلسة مماثلة تكميلية تطبيقية للجلستين في الخامس من أيلول، غاب عنها أيضًا وزراء الطائفة الشيعية… ليكون ما صدر عن ركن الثنائي رئيس مجلس النواب وحركة “أمل” نبيه بري أن “الأمور إيجابية وأعتقد أن الرياح السامة بدأت تنطوي وما حصل في موضوع الخطة العسكرية للجيش تحفظ السلم الأهلي”، مُعلقا على مقررات الجلسة التي انسحب منها الثنائي، إقرارًا بميثاقية الجلسات الثلاثة المتتالية. وفي حال أصرّ غوبلزيو الثنائي على اللاميثاقية و”أن ما بني على باطل فهو باطل”، فإن ذلك يكون اعترافًا مع مفعول رجعي لسنوات، على ما رأينا على ارتكاب الممانعة لـ”حلال” اللاميثاقية.
.jpg)