#adsense

“الحزب” في مأزق.. والسعودية تكرّس موقعها الاستراتيجي

حجم الخط

خطاب الأمين العام لـ”الحزب” نعيم قاسم الذي دعا فيه السعودية إلى الحوار والعمل المشترك في مواجهة إسرائيل لا يمكن عزله عن اللحظة الإقليمية الضاغطة التي يمر بها “الحزب” ومحوره الإيراني. فالتنظيم الذي اعتبر المملكة رأس حربة خصومه يجد نفسه اليوم مضطرًا إلى “الغزل” بها في توقيت بالغ الدلالة، وسط ثلاثة مسارات كبرى: أولاً، عودة إيران إلى العزلة الأممية مع تفعيل “السناب باك” وما يحمله من عقوبات قاسية تحت الفصل السابع. ثانيًا، توقيع الاتفاقية الدفاعية بين السعودية وباكستان التي تضع الخليج تحت مظلة ردعية ذات بعد نووي. ثالثًا، استمرار التصعيد الإسرائيلي المنهجي الذي يستنزف بنى “الحزب” العسكرية والقيادية في لبنان.

هذه الدعوة تكشف ضعف “الحزب” أكثر مما تظهر انفتاحه، فهي إقرار ضمني بعدم قدرته على مواجهة إسرائيل، ومحاولة للقفز فوق الدولة اللبنانية من خلال خطاب موجه مباشرة إلى الخارج بمنطق “الدويلة” التي تتصرف ككيان مستقل، فيما اللبنانيون يُختزلون إلى أوراق ضغط لا شركاء.

في المقابل، تحمل الاتفاقية الدفاعية بين الرياض وإسلام آباد معاني استراتيجية عميقة. اختيار باكستان لا الصين أو روسيا وفّر للسعودية مظلة ردعية مريحة لواشنطن، تعزز تماسك منظومتها وتبقى داخل دائرة حلفائها. الخليج ينال شعورًا بالأمان، باكستان تجني مكاسب اقتصادية وسياسية، والولايات المتحدة تضمن أن المعادلة لا تخرج من عباءتها. ومن المرجح أن يتوسع هذا الترتيب ليشمل دولاً عربية وإسلامية أخرى ضمن شبكة الأمن الجماعي التي تُهندسها واشنطن.

بهذا المسار، يتحول المشهد الإيراني إلى عزلة تدريجية تحت غطاء التهدئة: الخليج لا يعلن عداءً مباشرًا لكنه يبني نظامًا إقليميًا من دون إيران. وهكذا، من لاعب مركزي يفرض أجندته، تُدفع طهران إلى موقع الطرف المضطر للتكيّف مع توازنات تُرسم بمعزل عنها، ما يضعها أمام خيارين: تراجع نحو تسويات تحدّ طموحاتها أو مغامرات عسكرية قد تعجّل بانكشاف ضعفها.

من زاويتها، ترى إسرائيل في الترتيبات الجديدة فرصة لتثبيت ميزان ردع يخدم استراتيجيتها الطويلة المدى: تقاسم عبء مواجهة إيران، تعميق التعاون الأمني مع الخليج تحت شعار “الخطر الإيراني المشترك”، وتكريس صورة طهران كدولة محاصرة، بما يعزز موقع تل أبيب كلاعب لا غنى عنه لواشنطن.

لكن “غزل” الحزب للسعودية لن يجد صدى. فالرياض تتمسك بالعلاقة من دولة إلى دولة وتواصل الضغط لحصر قرار السلاح والحرب بيد المؤسسات الشرعية. أما الاتفاقية الدفاعية السعودية ـ الباكستانية فليست سوى بداية لتحالف أوسع يبني شبكة أمان إقليمية مدعومة بالتسليح والتدريب والتنسيق الاستخباراتي مع واشنطن، من دون انخراط مباشر للقوات الأميركية، وبثقل اقتصادي ـ عسكري ـ ديني قادر على جذب دول عربية أُخرى مثل مصر والأردن والمغرب، بل وحتى العراق. هكذا تُعزل إيران تدريجيًا ويُستكمل الحصار عليها.

أما لبنان، فسيدفع ثمن هذه التحولات. “الحزب”، بوصفه امتدادًا عضويًا للمشروع الإيراني، يجد نفسه خارج المعادلات الأمنية ـ التنموية الجديدة، عالقًا في خطاب الحرب، بينما الإقليم ينصرف إلى الاستقرار والنمو. محاولته الانفتاح على السعودية تُقرأ كإقرار بالضعف، وهنا تكمن الفرصة أمام القوى السيادية: إما التقاط اللحظة لإعادة بناء التوازن الداخلي على قاعدة سيادة المؤسسات، أو ترك لبنان أسير المعادلة الإيرانية.

في الخلاصة نحن أمام شرق أوسط جديد: إيران تُهمَّش، الخليج يندمج تحت سقف واشنطن، وإسرائيل تعزز مكانتها، فيما “الحزب” يواجه مأزقًا وجوديًا صارمًا: العودة إلى منطق الدولة أو التحول إلى عبء داخلي يذوب تدريجيًا حتى التلاشي.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل