لم تأتِ تصريحات المسؤولين الأميركيين الأخيرة من فراغ، بل هي تعكس تصعيداً واضحاً في الموقف تجاه الوضع في لبنان، فقد عاد السيناتور الأميركي ليندسي غراهام ليؤكد على تصريحاته السابقة التي أشار فيها بوضوح إلى أن تباطؤ الدولة اللبنانية في معالجة ملف سلاح الحزب سيحمل واشنطن على تطبيق “الخطة ب”، وهي نزع سلاح الحزب بالقوة.
ترافقت تصريحات غراهام مع تصريح آخر لا يقل أهمية للموفد الأميركي توم براك، الذي فجر قنبلة سياسية بقوله إن المطلوب هو “قطع رؤوس الأفاعي”، في إشارة مباشرة إلى إيران والحزب، وأكد براك في تصريحاته أن الحزب يعيد بناء قدراته العسكرية من جديد، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول كيفية تمكنه من ذلك في ظل الرقابة الدولية والإسرائيلية.
هذه التصريحات تثير سؤالاً محورياً، كيف يمكن للحزب أن يعيد بناء قدراته العسكرية وهو يخضع لرقابة شديدة؟ فالمقاتلات الإسرائيلية تراقب الأجواء اللبنانية باستمرار، ومطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت يخضعان لتفتيش دقيق. والأهم من ذلك، أن الحزب خسر أحد أبرز الجسور التي كان يستعملها لتمرير السلاح، وهي الحدود السورية اللبنانية.
في هذا السياق، يشير العميد المتقاعد خالد حمادة عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أن إسرائيل لا تهتم بالعدد المتبقي من صواريخ الحزب، فهي تعتبر أنها “أنهت قدرته تماماً”، وتصريحات براك رسالة واضحة لا تقبل الشك، مفادها أن المطلوب هو حل الجناح العسكري للحزب بالكامل، وتحوله إلى كيان سياسي فقط.
يؤكد حمادة أن واشنطن لن تقبل بالتعامل مع ملف سلاح الحزب بآلية “أبو ملحم”، ما يعني بشكل غير مباشر، أنها ترفض الخطة التي تتبعها الدولة اللبنانية، والدليل على ذلك، حسب حمادة، هو الزيارة الخاطفة للموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى الناقورة، ومغادرتها من دون لقاء أي مسؤول لبناني، مما يشير إلى أن “الفرصة انتهت”.
يشدد حمادة على أن الآلية المتبعة لنزع السلاح غير مجدية، وأن المطلوب هو “حل الجناح العسكري والانتهاء من كافة المظاهر المسلحة غير الشرعية، مؤكداً أن لبنان مقبل على “تصعيد كبير من قبل إسرائيل في الأيام المقبلة” .
من جهته، لا يزال الحزب يمارس سياسة الإنكار المتعمد، متجاهلاً حقيقة أنه قد وقّع عملياً على نهاية مسيرته العسكرية من خلال اتفاق وقف إطلاق النار. هذا الاتفاق، الذي يعد إطارًا دوليًا واضحًا، يفرض شروطًا صارمة على الأطراف، وأبرزها هو منع تواجد أي عنصر من الحزب في جنوب نهر الليطاني، كخطوة أولى نحو نزع السلاح بشكل كامل. وبالرغم من ذلك، فإن غالبية الاستهدافات التي تحدث مؤخراً تتركز في مناطق جنوب الليطاني، وهو ما يؤكد صحة تصريحات المبعوث الأميركي توم براك بأن الحزب لا يزال يمارس أنشطته العسكرية في تلك القرى والبلدات.
في هذا السياق، تشدد مصادر وزارية، على أن هذا التناقض الصارخ بين الالتزامات الدولية والواقع على الأرض يضع الحكومة اللبنانية في موقف حرج، ويزيد من الضغط الدولي على لبنان ككل. إن استمرار الحزب في تحدي القرارات الدولية لا يعرضه وحده للعواقب، بل يجر البلاد بأسرها إلى دائرة الخطر، ويثبت للمجتمع الدولي أن لبنان غير قادر على تطبيق سيادته على كامل أراضيه، وهو ما يمهد الطريق أمام تدخلات خارجية محتملة.
تعتبر المصادر الوزارية عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن الحزب يتعمد عرقلة قرار الحكومة عبر إحداث فوضى منظمة. فمن الواضح أن الحزب يرفض تسليم سلاحه، وهو ما يتناقض مع توجه الحكومة التي، وعلى الرغم من إصرارها على نزع السلاح، لا تزال تتردد في الدخول في مواجهة مباشرة معه. هذا التردد الحكومي يستغله الحزب لتمرير الوقت، وتثبيت وضعه القائم كقوة عسكرية موازية للدولة. ولم يعد سراً أن الحزب أرسل رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى الحكومة، أعلن خلالها رفضه القاطع للتخلي عن سلاحه.
.jpg)