باختصار، واشنطن غير راضية عن أداء السلطة في لبنان إزاء مسألة حصرية السلاح ونزع سلاح “الحزب”، وكلام المبعوث الرئاسي الأميركي توم برّاك بالأمس في إطلالته التلفزيونية، لا يترك مجالاً للشك حول هذه الخلاصة. الإدارة الأميركية تبارك قرارات الحكومة اللبنانية في 5 و7 آب، وتعتبرها جيدة، كما تعتبر أن المسؤولين في السلطة جيدون، لكن واشنطن لا تتردد في القول صراحة وإفهام الجميع، بأن الكلام لم يعد كافياً فيما التنفيذ على الأرض لا يتوافق مع مضمونه بالشكل اللازم.
من الصعب إقناع أي مراقب بأن تنفيذ قرارات 5 و7 آب الحكومية والتي وُصفت، بشبه إجماع داخلي وخارجي، بـ”التاريخية”، يسير ويُطبَّق على الأرض بالمستوى “التاريخي” ذاته. وبالتالي، قد تكون مواقف المبعوث الأميركي توم براك الذي يتابع هذا الملف بتكليف من الرئيس دونالد ترامب، متوقعة في مكان ما وغير مفاجئة، وهي تعكس حُكماً نظرة الإدارة الأميركية وعدم رضاها عن طريقة التنفيذ، ما يستوجب بطبيعة الحال قراءة هذه المواقف من قبل السلطات اللبنانية بكثير من الاعتبار.
“هذا الموقف هو موقف الإدارة الأميركية”، كما يؤكد الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة، لافتاً إلى أن “توم براك هو المبعوث الأميركي إلى سوريا وأيضاً إلى لبنان، وتحليله للوضع اللبناني مهمّ لأنه يمثّل وجهة نظر الإدارة الأميركية على الأرض”.
حمادة يشير، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أن “الاستنتاج الأول من كلام براك، هو أنه متشائم بالنسبة لتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة وغير متفائل. ما يقوله براك إن الحكومة اللبنانية كثيرة الكلام وقليلة الأفعال، وكلامه عن أن المسؤولين في السلطة جيدين لا يعني شيئاً، فالمهم ما هي الأفعال؟، وجواب براك واضح، بالنسبة للأفعال هناك تقصير.
ثانياً، عندما يدخل براك في التفاصيل ويتحدث عن مهمة الجيش لحصر السلاح، يقول إن الجيش مدرّب جيداً ومنظَّم لكنه لا يمتلك ما يكفي من العتاد والقدرات المادية العسكرية. لكنه يعود ويقول إن مساعدة الجيش ليست لقتال إسرائيل، وأيضاً الجيش لن يقاتل “الحزب” إذا تمنَّع عن تسليم سلاحه. وبالتالي، وكأن براك يستبعد إمكانية تحقيق أي خرق كبير بتنفيذ الجيش خطته العسكرية لحصر السلاح بيد الدولة في مراحلها الخمس”.
هذا يعني، وفق حمادة، أن “الباب قد يكون مفتوحاً لجولة عنف جديدة من أجل دفع الأمور إلى الأمام. بمعنى أن الإسرائيليين، أولاً، لن ينسحبوا من النقاط الخمس؛ ثانياً، الإدارة الأميركية تعتبر أن “الحزب” عدو وأن إيران عدوة، وأنهما بمثابة الأفاعي التي ينبغي قطع رؤوسها وتجفيف تمويلها، كما قال براك. بالتالي، ماذا يعني وضع فكرة قطع الرؤوس على الطاولة؟، يعني جولة عنف جديدة”.
حمادة يلفت، إلى أن “براك ليس دبلوماسياً متمرّساً ومحترفاً، بل هو رجل أعمال وشركات، وهذه طريقته في التعبير عن الموقف إذ يستعمل “عبارات التورية” في التخاطب، لكن التي توصل الرسالة والمضمون الواضح لمتلقِّيها. فعندما يستخدم براك عبارات الأفاعي وقطع رؤوسها، ماذا يعني ذلك عند ترجمتها أميركياً وإسرائيلياً؟، يعني جولة عنف جديدة”.
يضيف حمادة: “الأهمية في كلام براك أنه ممثل الولايات المتحدة، وما يقوله له وزن الموقف الصادر عن الإدارة الأميركية ويجب التعاطي معه على هذا الأساس، إلا إذا صدر نفي أو توضيح مختلف، الأمر الذي لم يحصل لغاية الآن. وبالتالي، كلامه له مفعول الكلام الصادر من واشنطن نفسها لناحية الرؤية والنظرة الأميركية تجاه هذه المسألة المطروحة”.
يتابع: “حين يتحدث براك عن أن “الحزب” يعيد بناء قدراته، وعن تمويل بمبالغ ضخمة تصل إلى 60 مليون دولار شهرياً تتسرّب إلى “الحزب”، هو يقول إن الإدارة الأميركية تعتبر أن هذا الأمر مخالف لالتزامات الرئاسة والحكومة والسياسة العامة للدولة اللبنانية واتفاقية وقف الأعمال العدائية”.
حمادة يرى، أن “كلام براك، الخطير جداً، بنتائجه الأكثر احتمالاً لناحية حصول جولة عنف جديدة، يلتقي مع مواقف أميركية أخرى، منها موقف السيناتور الأميركي ليندسي غراهام الذي عاد وكرَّر قبل أيام الموقف ذاته الذي أعلنه إثر زيارته الأخيرة إلى بيروت، مرافقاً براك والموفدة مورغان أورتاغوس والسيناتور جاين شاهين، عندما تحدث عن “Plan A” و”Plan B”، والـ”Plan B” تعني نزع السلاح بالقوة”.
أضف إلى ذلك، يتابع حمادة: “مواقف براك تلتقي أيضاً وتتقاطع مع تصريحات صدرت قبل يومين ونقلتها قناة “الحدث” عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى، يقول بأن “الحزب يحاول إعادة ترميم نفسه”، لافتاً إلى أن “إمكانية القيام بعملية برية أوسع في لبنان قائمة إذا تطلب الأمر”، وفق تعبيره، ومضيفاً: “سنتدخل مجدداً في لبنان إذا لم تتخذ خطوات عملية ضد سلاح الحزب”.
كل هذه المواقف تأخذنا إلى مكان واحد، برأي حمادة؛ “الحزب يخالف الاتفاقات، الدولة اللبنانية مقصّرة بإرادتها أو بغير إرادتها، وبالتالي سيأتي طرف ما ويأخذ على عاتقه تغيير الواقع”.
لذلك، يشدد حمادة، على أن “الدولة اللبنانية مطالبة بالجلوس مباشرة مع الموفد الرئاسي الأميركي توم براك، في أسرع وقت، لأن كلامه خطير وله أبعاد كبيرة، وهذا كلام ممثل الإدارة الأميركية في لبنان وسوريا. وبالتالي، كلامه يجب أن يؤخذ في الاعتبار، ويُفترض أن يتم التشاور معه والاستماع إلى وجهة نظره مباشرة، لا الاكتفاء بتلقي ما قاله عبر المقابلة التلفزيونية”.

