صحيفة النهار – علي حمادة
في الوقت الذي يعلن فيه المبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان توم برّاك أن سوريا وإسرائيل تقتربان من إنجاز اتفاق لخفض التصعيد، وهو عملياً اتفاق أمني تتلخص خطوطه العريضة بتعليق إسرائيل ضرباتها على الداخل السوري في مقابل تحويل المنطقة الفاصلة بين خط 1974 في الجولان وحدود العاصمة دمشق، منطقة منزوعة من كل سلاح ثقيل يمكن لإسرائيل أن تعتبره عنصر تهديد لأمنها، في هذا الوقت يستمر لبنان في المراوحة على صعيد نزع سلاح “الحزب” بالسرعة والشمولية المطلوبتين. صحيح أن كبار المسؤولين ردّوا بالاحتجاج على تصريحات توم برّاك الأخيرة لقناة “سكاي نيوزعربية” التي قال فيها “إن كل ما يفعله لبنان بشأن نزع سلاح “الحزب” هو الكلام من دون أفعال”، لكن الصحيح أيضاً أن لبنان عالق في عنق الزجاجة في ما يتعلق بقضية السلاح وكيفية معالجة رفض الحزب المذكور البحث في نزع سلاحه عموماً. ويمكن اعتبار المواجهة الجديدة بين رئيس الحكومة نواف سلام و”الحزب” بشأن إقامة فعاليات احتفالية بذكرى مقتل أمينيه العامين السابقين السيد نصرالله والسيد هاشم صفي الدين في موقع صخرة الروشة في بيروت التي تحمل رمزية وطنية عامة وبيروتية خاصة، بمثابة تحدٍّ معنوي كبير ينبغي لرئيس الحكومة أن يفوز به مهما كلف الأمر. فالمرحلة لا تحتمل حتى مجرد التعادل السلبي (صفر-صفر). فإذا جرى السماح بإقامة احتفالية بذكرى مقتل الأمينين العامين السابقين لـ”الحزب” في قلب بيروت وإن بمراسم مختصرة، فسينعكس ذلك سلباً على نظرة المجتمع الدولي إلى الدولة اللبنانية، كما سيرسل رسالة إلى الغالبية العظمى من المواطنين المؤيدين للدولة عموماً وللحكومة خصوصاً أنها ضعيفة ومترددة. لكن مع ذلك فإن التحدي يشكل عملية إلهاء يقوم بها “الحزب” هدفها حرف الأنظار عن الملف الأكبر ألا وهو نزع سلاح الحزب المذكور. ومن المهم بمكان أن ندرك أن نزع سلاح الحزب المذكور هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ لبنان على مختلف الصعد السياسية، والاقتصادية، والمالية، والإدارية، والاجتماعية. فاستمرار ميليشيا محلية تُدار من الخارج في امتلاك قدرات عسكرية وأمنية تفوق تلك التي تمتلكها الدولة، معناه بكل بساطة أن “الحزب” سيعود إلى سابق عهده من الهيمنة على القرار الوطني اللبناني.
لكن إذا ما أخذنا بالاعتبار الجانب المالي لقوة “الحزب” فإن خطر الهيمنة على لبنان سيكون مضاعفاً. فالحزب يستخدم السلاح من أجل إدخال الرعب في قلوب المواطنين المنتمين إلى المكوّنات الوطنية الأخرى، وإذا لم يتم تجفيف منابعه المالية المحلية والخارجية، فإنه، حتى لو تم نزع سلاحه فسيتمكن مع الوقت من إعادة بناء قدراته العسكرية والأمنية التي تشكل ذراعاً للنفوذ الإيراني انطلاقاً من لبنان. ومن هنا لا تقل عملية تجفيف موارده المالية أهمية عن نزع سلاحه وتفكيك هيكليته العسكرية والأمنية – المخابراتية. وهنا يكمن التحدي الكبير الذي تواجهه الدولة اللبنانية وهي لا تزال ضعيفة نسبياً، والبعض يقول إنها خائفة. إنه تحدٍ وجودي بالنسبة إلى مشروع قيام دولة لبنانية سيدة ومستقلة. فالسلاح قوة، والمال قوة. والعنصران يغذي أحدهما الآخر. لذلك لا ينفع نزع السلاح وحده من دون قطع موارد الحزب المتأتية مباشرة أو بواسطة شركاء محليين كبار من نتاج أعمال التهريب بمختلف أشكاله، وكذلك من عمليات تبييض أموال مشكوك في قانونيتها وهي متعددة المصادر!