
في مثل هذا اليوم، منذ عشرين عامًا، أرادوا أن يطفئوا الصوت. زرعوا الموت في سيارتها، فحصدوا فقط ما تبقّى من ضمائرهم.
حسبوا أن التفجير سيطمر الصوت، ويقمع الموقف، ويشطب حضور امرأة لم تنحنِ. لكنهم، ككل مرّة، أساؤوا التقدير. ظنّوا أن بتر يدها سيمنعها من رفعها، وأن خطف رجلها سيوقف خطوتها. لكنهم لم يدركوا أن الكلمات لا تُقال بالأيدي، بل بالقلب، وأن المواقف لا تُساق بالأقدام، بل بالثبات.
هي مي شدياق. امرأة تشبه البلاد التي تنزف ولا تموت. لم تكن يومًا مجرد إعلامية، كانت ضميرًا حيًّا ومرآةً لوطن يختنق بالسكوت، ويستغيث بمن لا يساوم. كانت امرأة بحجم وطن، وصوتًا يعلو فوق الركام، ويصرخ في وجه القتلة: لن تسكتوني!
أرادوا اغتيالها لأنها قالت ما لا يريدون سماعه: الكلمة أقوى من الرصاص، والولاء يكون للوطن، لا لدويلاته.
هي التي تمسّكت بالدولة حين فرّ منها رجال كثر، ورفعت راية السيادة في زمن الخنوع.
نجَت مي شدياق من محاولة اغتيال جسدي، لكنها دفعت الثمن غاليًا، فما واجهته بعد الانفجار، لم يكن أقل قسوة. كان جسدها ساحة معركة جديدة: بتر، آلام، عمليات، تأهيل… ومع ذلك، لم تطلب الشفقة، ولا استدرّت العطف، بل وقفت كما كانت دائمًا: عالية، شامخة، ثابتة. خرجت من الانفجار، لا كما خرجوا هم من جرائمه. هي واجهت الحقيقة، وهم تواروا خلف الأقنعة والتهديدات.
لم يُفقدها التفجير ذراعًا ورجلًا فقط، بل كشف لها كم أن اذرع الشر كثيرة والرِجال الفعليين قلائل. كم أن بعض البشر مستعدون للتنمّر على الجراح، والاستهزاء بالمآسي، فقط لأن الضحية أنثى، ولأنها تجرؤ على الوقوف في وجه السائد. لكن مي، كما في المرة الأولى، انتصرت. لم تُصهرها النار، بل صهرتها التجربة… فخرجت أصلب، أشد، وأنقى.
مي، في جسدها آثار الجريمة، وفي روحها نُدب الانتصار. كل ندبة حكاية، كل جرح دليل، كل ألمٍ رايةُ مقاومة، كل نظرة في عينيها تُذكّر بأن الصوت لا يُقصف، وأن الحقيقة لا تموت.
هي ليست مجرد “ناجية”، بل حيّة شاهدة على وحشية من أرادوا إسكاتها، ومثالٌ حيّ لمن لا يقبل أن يُدار كأداة، أو يُقايض كرامته بالخوف.
لم تنكسر، لأنها لم تُبنَ من هشيم. بل من صخرٍ لبنانيٍّ صلب، ومن إيمانٍ لا يتزعزع بأن الدولة وحدها هي الحماية، لا الدويلة.
في عشرين عامًا، لم تخن حلمها، لم تُهادن القاتل، لم تتعب من قول الحقيقة. نعم، تقطّعت أوصالها، لكن عمودها الفقري بقي: الموقف، الرأي، والكرامة.
مي شدياق، في ذكراك العشرين مع الحياة، أنت ذاكرة وطن، وعنوان ثبات.
لم تتخلّي عن موقف، ولم تساومي على مبدأ. لم تنكفئي، ولم تبيعي صوتك في سوق المصالح.
في ذكراك العشرين مع الحياة، نقف لك لا بالتصفيق فقط، بل بوقفة ضمير، لعلّنا نتذكّر أن في بلادنا أصواتا لا تُكمم، ونساءً لا يُهزمن، ومواقف لا تموت.