.jpg)
لم تكن صخرة الروشة في بيروت بحاجة إلى هذا العبء الرمزي الثقيل الذي أُلقي عليها. فالمعلم الوطني الذي شكّل لعقود رمزًا جامعًا للبنانيين، تحوّل ليلة أمس إلى شاشة عرض حزبية ضيقة، عكست أزمة أعمق من مجرد إضاءة. ما فعله “الحزب” ليس احتفاءً بذكرى بقدر ما هو تكريس لثقافة سوقية وسياسية اعتادت أن تشرعن العنف وتستبيح الفضاء العام.
الخطوة ليست سوى فقرة استعراضية رخيصة تهدف إلى شدّ عصب البيئة الحزبية، لكنها في الواقع عمّقت الشرخ بين “الحزب” وباقي اللبنانيين. فالمواطنون الذين يمرّون بأزمات اقتصادية خانقة ويرون دولتهم تُسلب من هيبتها، لم يجدوا في هذا المشهد سوى استفزاز جديد وتقسيم متعمد للهوية الوطنية إلى هويات حزبية وطائفية متناحرة.
لم تسلم ذكرى الأمينيْن العامّيْن من المتاجرة والتوظيف الحزبي، إذ حُوِّلت إلى دعاية سياسية فارغة من المضمون وادعاء انتصار فاشل، ما شكّل إهانة للذكرى بدل أن يكون وفاءً لها.
إن ما حصل لا يعكس قوة بل يأس. فـ”الحزب” الذي كان يقدّم نفسه يومًا كقوة إقليميّة “مقاومة” عابرة للطوائف، بات اليوم يستعين بعرض ضوئي ليؤكد حضوره في قلب العاصمة. وكلما حاول احتكار الرموز الوطنية، كلما اتّسعت المسافة بينه وبين اللبنانيين، وكلما ترسّخت صورته كجماعة مفصولة عن السياق الوطني العام.
الحدث جاء ردًا غير مباشر على قرار مجلس الوزراء في آب الماضي بسحب سلاح “الحزب”، وهو القرار الذي رفضه “الحزب” بشدة. غير أن الرد لم يتجاوز حدود صخرة الروشة، في مشهد أقرب إلى محاولة جديدة فاشلة لفرض أمر واقع رمزي أمام سلطة شرعية اتخذت مسارًا لا عودة عنه. إن اختيار المكان لم يكن عفويًا، بل مقصودًا لمواجهة الدولة في قلب بيروت، لكن النتيجة جاءت عكسية: تأكيد جديد أن القرار السيادي يُصنع في المؤسسات، لا في العروض البصرية.
في النهاية، ومفهوم “الحزب” المُنهك ما حدث ليس أكثر من “انتصار خاسر” يضاف إلى سلسلة انتصارات “الحزب” الفاشلة السابقة. فالقرارات الحكومية لا تتغيّر بإضاءة صخرة، والواقع اللبناني لم يعد يحتمل ثقافة العصابات التي تعيش على الاستفزاز والتهديد. لقد بات “الحزب” أصغر من أن يوقف مسارًا وطنيًا رسمته الدولة لاستعادة سيادتها.
إضاءة الروشة لم تُظهر قوة “الحزب”، بل كشفت هشاشته. لم تعزز حضوره، بل عمّقت عزلته. ولم تفرض واقعًا جديدًا، بل ذكّرت اللبنانيين أن الدولة وحدها هي صاحبة الكلمة الفصل. وفوق ذلك، فإن هذه المسرحيات الاستعراضية لا تغيّر شيئًا في موازين القوى الإقليمية والدولية، حيث تتكثّف الضغوط لعزله وتجريده من سلاحه، ما يجعل استعراضاته مجرد هروب إلى الأمام. إن ما جرى أمس قد يُضاف إلى أرشيف العروض البصرية، لكنه سيبقى سياسيًا ووطنيًا عنوانًا لهزيمة معنوية جديدة: “الحزب” يبتعد أكثر فأكثر عن اللبنانيين، والمطلوب أن تحكم الدولة أمرها وتتقدّم بثبات نحو استعادة سيادتها وكرامتها.