في الأمس القريب، وقربَ صخرة الرّوشة، أتحفنا أحدُ العناجهةِ في زمنِ المستقوين الأشاوس، بخطابٍ جعلَنا نفترضُ بأنّ الوطنَ نهضَ، بفضلهم، من الحضيضِ، أو عادَ من الموتِ سالِمًا، وقد وقفَ العَنجهيّ موقفَ المادِحِ والمُهَنِّئِ دابِغًا جِلْدَ كلامِهِ بشهوةٍ الى الثَّناء، فاستمطرَ الحَمدَ والشّكرانَ لواحِدي زمانِهم من المستقوين الذين، لولاهم، لَما بقيَ من الوطنِ شيء، فإنّ إِقدامَهم، وبسالتَهم، لَذَّعا أعداءَ لبنان، وارتجفَت قلوبهم خَوفًا.
ما لَفَتَني، في كلامِ العنجهيِّ، الأسلوب المَلحميّ الذي جعل المستقوين أبطالًا أسطوريّين يأتون أفعالًا خارقةً لا تُنسَبُ إلّا لِأَشباهِ الآلهة. ورأيتُ، من واجبي النَّقديّ، أن أتفقَّدَ هذا الافتتاحَ الذي جعلَ الممدوحين نُزَلاءَ التفوّقِ، وأصبحوا مَزارًا وطنيًّا، بل قوميّا، واستطاعوا أن ينتشلوا جَبهةَ الأمّةِ، بأسرِها، من التّراب، فَلَو لم يفعلوا ” لَأَكلَتِ الثَّعابينُ أهلَ مصر” كما قالَ ” الثَّعالبيّ “، من زمان.
وبعد مراجعةِ أحوالِ وطنِنا الذي خُطِفَت منه الشّمس، في زمنِهم “الرديء”، هالني أنّ وطني مَشى على الشّوك، وتَغَرَّبَ عن رائحةِ الأيامِ السّالفةِ المُتوهِّجةِ فرحًا، وحريّةً، وعَملَقَة. فبعدَ أن كانتِ الدّنيا تمشي خلفَ لبنان، وهو المرفأُ الفينيقيُّ الذي لا يُطوى له شِراع، وتَسابقَ إليهِ القريبُ والبعيد، غطّاهُ رَمادُ زمنِهم “الرديء” وكأنّه رَميم، ما أَجبرَنا على التَيَقُّنِ، وبالرَّغمِ مِنّا، بأنّ هذا الوطنَ لم يُنذَرْ إلّا للتَّلاشي.
وإذا عُدنا الى المدحِ الانبطاحيّ، وهو أَقتَلُ الخطايا في عدمِ تَذَكُّرِ الكرامة، فالمادِحُ، هذا، يُشبِهُ السّاذجَ الذي يرمي حَجَرًا ولا يهتمُّ إلّا بالمدى الذي يبلغُهُ، أو يُشبِهُ شعراءَ الظلِّ الذين يستثمرونَ كلَّ ما لديهم من حِياكةٍ ضجيجيّةٍ للتَّقريظِ والتَّفخيم، وكأنّهم لا يَعلَمون بأنّ ما يُهرِقونَه من إسفافٍ وحَشوٍ لن ينعَجِقَ به ذَوو العقل، فليسَ به أَدعيةٌ تُسمَعُ ولا عِلمٌ يَنفع. وكان الأَفيَدُ لهذا العنجهيِّ أن ينخرطَ في جوقِ قَوّالين، فلربّما خفَّف انخراطُهُ عن النّاسِ بعضَ كُربةِ الأيام، وإِنْ بهَزْلِهِ الباهت.
أمّا المستقوون الذين يتولَّونَ حيثيّةً عُنفيّةً في بَلَدٍ مُتهالِك، فمن الطبيعيِّ ألّا تكونَ رفاهيّةُ الفرح، في زمنِهم “الرديء”، هي المُستَوليةَ على قلوبِ النّاسِ، وإذا رُفِعَتِ السّتارةُ عن زمنِهم، هذا، برز ما يختفي وراءَها من عُيوب، ومن أداءاتٍ محفوفةٍ بالألغام، ومن انكشافٍ فاضحٍ لمؤامراتٍ فتّاكة، ومن إخضاعٍ للقهر، ومن سَطوِ على الحريّات، ليبدوَ الوطنُ مملوكًا، لا كفالةَ له مع الخبزِ ” الطّاهر “، ولا يحوزُ على حقِّ الفُرقةِ بين السّيادةِ والارتهان…
هل هذا، بالذّات، هو زمنُهم المُنتصِر الذي يُجبَرُ الوطنُ على هَضْمِه، والمَشيِ على أسلاكِهِ الشّائكة ؟ إنّ زمنَهم ليس ضَرَرًا جانبيًّا بِقَدرِ ما هو مؤامرة شنيعة لتَصغيرِ تاريخِ لبنان، ولفَكِّ ارتباطِهِ بالحضارة، وتَكليسِ دورِهِ بريادةِ الحريّةِ والحقوق… كلّ ذلك لزَجِّهِ في حالةٍ انزوائيّةٍ تصادرُ كيانَه وترهنُه لجهنَّم، وتزجّ به في عملٍ مُنَظِّمٍ لثوابتَ إيديولوجيّةٍ تُدَفِّعُه أكلافًا باهظةً على مستوى وجودِهِ الحُرّ، وجذورِه التاريخيّة، وتَمَيُّزِ أهلِهِ، وحيويّةِ مقدّراتِه. وهكذا، يُفرَضُ عليه أن يَقبل الاستجارةَ بِمَنْ وراءَ الحدود، يتلوّن بألوانِهم، ويرتدي مزاجاتِهم، ويهلِّل لوصايتِهم، ويشقّ طريقَه، بهم ومعهم، الى انعزالٍ عن العَصرَنةِ والنّهضة والتقدّم.
إنّ زمنَ لبنانَ هو زمن نضارةِ الحياة، وزمن اختراقِ مَحافِلِ العلومِ والفنونِ والفِكر، وزمن تَحوُّلِ الوطنِ جسرًا بين أسرارِ المعارفِ واليقظةِ العقليّة، وزمن الاحتكاكِ بالتياراتِ الثقافيّةِ الكونيّة، وزمن الاطّلاعِ على آثارِ الشُّعوبِ وناتِجِ الحضاراتِ وصَفوةِ المدنيّات، وزمن الإدهاشاتِ في الشِّعرِ والموسيقى والرَّسم… نعم، هذا هو، بالذّات، الزمنُ الحقيقيُّ الباهر الذي أَنِسنا إليه، ونأنسُ. أمّا التَقَوقُعِ في سراديبِ الانحطاط، وتَبَنّي ثقافة الموتِ، فليسا سوى شاهِدٍ على الجهلِ، والضلال، والقَحط، والعَتمِ، وتأصيلِ التخلّف، وما ذلك إلّا المحنةُ الكبرى التي لن نرتضيَها.
لبنانُ، في زمنِهِ المُشرِق، كان زينةً مُطَرَّزَة، تابعَ مَركبُ ريادتِهِ المنطقةَ فَصلًا بعدَ فصل، الى حيثُ استطابَ الرُّسُوَ عارِضًا آياتٍ موصوفةً جَبَرَت عَرَجَ ما حولَه. واليوم، وبفضلِ زمنِهم القاتِل، يقفُ لبنانُ موقفَ الآسِفِ على أيّامٍ هَوَت بعدَ اعتلائِها، وانكمشَت في أعطافِ طَيشٍ مُؤذٍ حوَّلَ لبنان غيرَ لبنانَ، وباتَ شعبُهُ بحسرةِ الخائب، فبعدَ أن بنى ناسُهُ أمجادًا فوقَ عَدَم، كدَّسوا، في زمنِ المستقوين عَدَمًا فوقَ أمجاد.
.jpg)