







.jpg)
16 تشرين الثاني 1847، انعقد المجمع الرهباني للرهبانية اللبنانية المارونية برئاسة الأب العام عمانوئيل الأشقر، حيث أصدر المجتمعون قرار فصل بعض أملاك دير سيدة ميفوق الواقعة شرقًا في محلَّة “القطّارة”، وغاية هذا الفرز العقاري الديري، النهوض ببنيان دير جديد على اسم القديس شليطا.
أوائل نوّار 1848، تمَّ تجهيز بعض الغرف لسكن الآباء والأخوة فوق العين المعروفة “عين رام”. بحلول العام 1850، وبمسعى وهمَّة الأب العام لورنسيوس الشبابي، تم تشييد دير القطارة وتثبيته في مكانه الحالي. 1861 اكتملت العمارة الديرية بكنيستها كنيسة مار شليطا، وتكاملت بتعيين الدير وتجهيزه ليكون مدرسةً لتعليم اللغات الأجنبية، وهذا الفتح العلمي أوحى بانعقاد مجمعٍ للمدبرين يوم 23 أيلول من العام 1878 في دير مار مارون عنايا وقرار ثاني بفصل أملاكٍ إضافيّة من دير سيدة ميفوق في أرض “وطى مار سبتا” وأرض “وادي الكروم” وثلث أراضي الرهبانية عند مرتفعات اللقلوق، وكأنَّ روح المشورة الصَّالحة قد خطًّط لما سيكون عليه هذا الدير الجبلي الجبيلي المشرف على 1600 سنة من سيرة ومسيرة أولئك الذين “سكنوا المغاور والكهوف وشقوق الأرض وقهروا الممالك وسدَّوا أشداق الأسود”!!
“أمَّهاتٌ يلدن البطولة والقداسة ”
هي السيِّدة الميفوقية لا تفرِّق بين أراضيها الرهبانية المفصولة عنها وبين عذرية ردائها الذي واكب قدوسيَّة قرار انفصال الأقنوم الثاني الابن عن أقنومي الآب والروح، وغطَّى هذا الانفصال الألوهي الأعجب أمام عجز العين البشرية عن الفهم والأدراك. السيَّدة الميفوقيَّة هي ذاتها التي باركت وشجَّعت يوسف المغارة المريمية البقاعكفرية واعتزَّت بعزيمة انفصاله عن كنف أمه بريجيتا واشتياقات أخوته حنا وبشارة، كون ووردة. وهيَّ الملكة الميفوقيَّة سيدة الأيقونة المارونيَّة السياديَّة، سيادة الأمَّة الصَّائمة عن أكل خبز السلطان.. سيادة الزَّاهدين بكلِّ ملكيَّة ليست من ملكوت الأبرار الملوك بعين الرب… سيادة المؤمنين بأكتافهم أنَّها رهن إشارة صلبانهم وأوطانهم، وليست هودجًا يمتطيه أمراء المضارب وشيوخ الأسباط والأجباب والمحاسيب والمجاديب.
سيدة الدير الميفوقي فصَّلت وفليونها دير القطَّارة لبسَ ما فصَّلته في أهمِّ وأدقِّ مفصلين تاريخيين مضرَّجين بما تكبَّده أولئك الأمناء على ميراث الآية الأعجازية: “مَن ضربك على خدَّك الأيمن فدر له الأيسر”. آية أعتمدها الضاربون بسيوف سلاطينهم كأنجح استراتيجية لضرب الرافضين رفضًا مطلقًا لوي رؤوسهم انحناء وركبهم سجودًا بحضرة البعل القابض على الجباه والأعناق والأنفاس والكرامات والعقائد والمعتقدات، كما على النوايا والأفكار!
دير سيدة ميفوق ورئيسه الأب افرام جعجع البشراوي يفتحان لواعج القلب ومعاجن الخبز للوافدين من أهوال حزيران 1860… دير سيدة ميفوق ورئيسه الأب الياس العنداري يستنفران سيرة رهبان المقاومة اللبنانية صيف 1978 لملاقاة الآتين من ليالي الشمال الحزينة، ثوّارًا تجاوزوا الصلاة بوردية أسرار الفرح والحزن والمجد والنور، فتهوَّروا وتحدّوا محاكم التفتيش وأقدموا على الصلاة بمسبحةٍ خطيرة الأسرار الخمسة، هي مسبحة أسرار الحريَّة!!
كليَّة حنا عنداري العسكريّة
كليَّته دار عنداريَّة عبدينيَّة تقارب المحابس شكلاً ومضمون. البيت من تراث بيوت المدِّ ذات الغرفة الواحدة المتَّحدة عائلةً ومسكنًا، وإيمانًا وصلواتٍ وقلوبًا، وخبزًا وملحًا وبركة، ودرسًا وكتبًا ودفاترًا وأقلام. من هنا يبتدئ الوطن ولا ينتهي.
من هنا يدقُّ النَّفير كلمَّا دقَّت الأخطار. ومن هنا يخرج ابن الثامنة عشر متخرِّجًا من معدَّلة هي البارودة الموروثه من الأجداد، نذرًا وعهدًا ووعدًا، بها يعوِّض عن ما غيِّب عنه وعن جيله مِن دروسٍ غير مقيَّدة بمناهج السَّيف والليل والبيداء… وبها يستغفر عقله وفكره عن توريطهما في مضغ مفاهيم تربية وطنية كتابها أشبه بكتاب ألف ليلة وليلة!
الأحد 13 نيسان 1975 داهمت بوسطة عين الرمانة ذلك البيت العنداري العبديني المبنيِّ على جبلٍ رجولي منقول بإيمانٍ حبَّة بخور قاديشيّ، فانطلق بولس العائلة يبشِّر بأنَّ خطوط التَّماس هي واحدة في جميع مناطق جبهات ردع جحافل الغرباء وفيالق الارتزاق عن تجاوزهم حدود الحرمات والأقداس، حتى لو كانت هذه المناطق كعبدين وسائر بلاد الجبة بعيدة كل البعد عن أرض المعارك والدُّشمِ والقذائف وغدرات الرَّصاص والشظايا!
إنّه بولس ابن الثامنة عشرة رمحًا وعنفوانًا يتسجَّل مقاومًا لبنانيًا متدرِّجًا من مخيم دير مار يعقوب كرم سدة، شماسًا رمَّاحًا متزودًا بآية إعلان حالة الطوارئ المسيحانية المصيرية: “مَن ليس معه سيف، فليبع رداءه ويشتري به سيفًا”. وها الأب العام اللبناني شربل قسيس يجاهر من دون تقيَّة ومواربة باستعداده لبيع ثيابه الرهبانية وفوقها ثياب أخوته الرهبان ولا يتعرَّى وطن الأرز من بيارق أرزه!!
حقائق لن ترحم
“تستطيعون الآن أن تفنوا بعضكم بعضًا… ولكن دعونا نبتعد قليلاً!”
ماذا تغيَّر بين أميرام أيلول 1983 وبين أفيخاي أيلول 2024؟…
ركوب الرأس عنادًا لا يزال هو هو، وكذلك المقامرة بالسَّم الزُّعاف، كذلك كشف المستقبل بضرب الرَّمل والمندل وقراءة فناجين القهوة وسائر ضروب التبصير والتنجيم والتَّفليك… راهب لبنان بولس نعمان ما زال ينتظر جواب مئة وديع حدَّاد… المستشار الألعبان الكلام فاضي البال طالما سيِّده نائم على ورقة الصّولد واليهودي مرابٍ لا يسامح بفلس دينٍ واحد… مارون وديع مازال يقاوم حتى اليوم كي لا يسقط جبل عرَّام… غازي هارون يكرر محاولات جمع شمل جسده كي يعود إلى تلَّة الردَّة… آدي الأسمر شرف للشمس أن تكون خوذته، وفرح للملائكة وهم يوزِّعون ابتسامته بين السماء ولبنان… السنبك يفتِّش بسراج النجوم وفتيل القمر عن مسؤول يمتلك فارع طول العنفوان السنبكي والبسالة السَّنبكيّة… أندريه متى يبحث عن مهمة لأمه وجميع أمهات أخوته ورفاقه في البطولة والاستشهاد غير العمل في خدمة سادة ذوات تنقَّلوا زمن النزيف اللبناني الأخطر بين الملاجئ والمتاجر والفنادق والمهاجر… أنطوان إن ما عاد يستطيع توجيه الميلان بعد ذاك الكمين السِّكين في خاصرة ساحة بحمدون، فإنَّه بكامل استطاعته توجيه رسائله الرسولية إلينا بوزن ثلاثية رسائله إلى حبيبته، وإلى سنديانة كنيسة مار سابا العبديني، وإلى البشير شاهدًا وشهيدًا…
طوني صدّيق وردان بطل الميلان ما يزال حتى اليوم يقيس المسافة بين مقرِّ إقامته في حمى سيدة بطلون وبين بلدته الكاملة فوق شيرها الآرامي ورمحها البطريركي الدّانيالي، كي يعود شيخ الشباب وزينة الرجال من خامس أيلول 1973 إلى مساء الثالث الأيلولي، كي يكون على رأس الدَّبكة الحدشيتية في ساحة كنيسة الشهيد رومانوس الحكيم!!
بولس عيلة مار شربل
“الرَّاهب لبيترك ديرو ملزوم يرجع يترهَّب من جديد”!
هذا ما أوصى به بونا الحرديني الملفان، وهذا ما أكَّد عليه تلميذه الشربلي البقاعكفري الفلاّح، وأيُّ راهب تفكَّك من نذوره وارتحل عن ديره ورهبانية كانت تلاحقة تسمية “بونا فشَح” أو “خي فشح…
وهل صفات ومواصفات الفشح الرهباني مهما كانت صبغة لونه، ألا تشمل أيضًا رهبان الأساكيم الزيتية حين أجيالهم تسلِّم وتستلم؟… إنَّ لهذين الجيلين سؤال واحد موحّد: “لماذا أنت وليس أنا”. جيل سأل لماذا أنت في مقدمة المتطوعين للمتاريس المتقدمة والجبهات الأخطر والقتال خلف خطوط العدو وليس أنا؟… وجيل نتأمَّله مترفعًا عن السؤال الركيك المستهلَك: “لماذا أنتَ من المدعوين للجلوس في صدور المجامع وأوَّل المتَّكآت وليس أنا؟… ها شهود الحقِّ يتألَّمون ولا يتكلَّمون، والشراهة على التهام الألقاب والأضواء والحظوات تزداد، والفجعنة على مراكز الخمسة نجوم ومناصب اليانصيب تتفشى، والكرسي الثابتة هي كراسي الاعتراف بتلك الحجارة التي يستريح عليها رهبان الحقلة وكل ما تبقَّى فهي من نوعيات وظرفيات وأنقلابات وغدرات الكراسي الهزَّازة !
نحن حيث نحن في مرتبة الأمانة على وديعة الإيمان لا حقٌ لنا بأن نحذو حذو يعقوب وأخيه يوحنا المختلفين على أحقية الجلوس عن يمين الملك ويساره عند مجئ يوم ملكه، فيوم صعوده إلى مملكة الجمعة العظيمة وارتفاعه على عرش صلبه وتاج الشوك، ساعتها لم يجلس عن يمينه ويساره إلاَّ لصُّ اليمين ولصُّ الشمال!!
القائد بول عنداري
كما فرنسوا معراوي كما أنت، إنَّكما توأم الأسكيم الرهباني اللبناني المصطبغ بزيت ميرون القادة الزَّاهدين المتعفِّفين المتوارين عن مراسيم التعيينات. إنَّكما توأم الارتباط الوثيق بأزمنة وأمكنة محابس واستحباسات يوحنا القناتي، ويونان المتريتيّ، وجبرائيل بن ستيتة الأهدني، وابن البركة البقوفاوي، ودي شستويل الفرنسي، وأتناسيوس الصَّغبيني الحوبيّ، وشربل البقاعكفري اللبناني المسكونيّ، وأنبا محبسة مار بولا غبتا أنطونيوس شينا البقرقاشي. وإنَّكما توأم الحضور الروحي والنفسي والمعنوي الدائم في ديرنا دير مار شليطا القطارة الموازي جغرافيًا وتاريخيًا دير البلّور.
هل ينفعنا العالم كلَّه إن خسرنا أنفسنا ونقاوة أنفاس أولئك الميانين الذين في يوم 30 نيسان 1991 قد “أنزلوا البندقية ليبقى الصَّليب”!!!