
لطالما ارتبطت كلمة “انتصار” بخطابات الأمين العام لـ”الحزب”، الشيخ نعيم قاسم، لتصبح لازمة تتردد في كل مناسبة يطل فيها، لكن خلف هذا التكرار الملحوظ، قد لا يكون هناك سوى اعتراف ضمني بالهزيمة، وتغطية لواقع مختلف تمامًا. إن عملية الإلهاء التي يمارسها قاسم، من خلال الحديث عن انتصار وهمي، ليست سوى محاولة يائسة لرفع معنويات “البيئة الحاضنة” التي باتت تتشبث بأي قشة أمل، حتى لو كانت كصخرة الروشة، في محاولة لإنقاذ “سفينة الحزب الغارقة في قاع المحور”. هذا الخطاب يعكس تناقضًا صارخًا، بين الصورة التي يراد رسمها والواقع المرير الذي يواجهه “الحزب” على الأرض.
تحليل خطاب قاسم يكشف عن استراتيجية واضحة، تهدف إلى التلاعب بالوعي العام. ففي الوقت الذي تتوالى فيه الضربات الموجعة على “الحزب” ومحوره الإقليمي، يُصر قاسم على استخدام مصطلح “الانتصار”، لمحاولة تشكيل واقع بديل في أذهان مؤيديه. هذا التكرار ليس مجرد مصادفة، بل هو أداة نفسية تستخدم لترسيخ فكرة معينة، وتجاهل الحقائق الدامغة، إذ يعمد قاسم إلى بناء سردية الانتصار لخلق حالة من الرضا الزائف، وصرف الأنظار عن التحديات الحقيقية والخسائر المتلاحقة التي يتعرض لها “الحزب”، سواء على الصعيد العسكري، أو السياسي، أو الاقتصادي. هذه السردية، وإن كانت توفّر بعض الدعم المؤقت، إلا أنها لا تستطيع الصمود طويلاً أمام الواقع الماثل المعاكس.
الواقع الذي يحاول قاسم إخفاءه عن بيئته الحاضنة، ولا يجرؤ على البوح به، هو تلك اللحظات العصيبة التي سبقت توقيع “الحزب” على اتفاق وقف إطلاق النار، من خلال الحكومة التي كان يسيطر عليها و”الأخ الأكبر” نبيه بري. ففي تلك الساعات، لم يكن يقرأ بنود انتصار، بل كان يقرأ بنود “استسلام” اضطر للموافقة عليها تحت وطأة الضغوط الهائلة والخسائر الفادحة التي تكبدها “الحزب”. تلك البنود، التي لا يمكن لقاسم تلاوتها على الملأ، تحمل في طياتها تفاصيل مؤلمة عن تراجعات وتنازلات كبرى اضطر “الحزب” لتقديمها، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولو تجرأ قاسم على كشف هذه الحقائق، لتعرَّض للرجم الشعبي من بيئته، التي لطالما تغذَّت على وعود الانتصار الأبدي والقوة التي لا تُقهر.
قاسم يدرك جيدًا أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يكن سوى طوق نجاة، أتى لينقذه وحزبه من “الزوال الأبدي”. لقد كانت تلك اللحظة نقطة تحوّل حرجة، أجبرته على رفع “الراية البيضاء” بشكل غير مباشر، على وقع الضربات الموجعة التي هددت كيان “الحزب” بالكامل. التظاهر بالانتصار بعد قبول بنود تعادل الاستسلام، هو تناقض صارخ يكشف عن هشاشة الموقف وضعف القدرة على المواجهة المفتوحة.
التمسك بخطاب “الانتصار الوهمي” له تداعيات خطيرة على “البيئة الحاضنة” نفسها، فعلى المدى الطويل، يؤدي هذا التضليل إلى فقدان الثقة بين القيادة والقاعدة، ويزرع بذور الشك حول مصداقية الخطاب الرسمي. عندما تتكشف الحقائق شيئًا فشيئًا، ويتضح حجم الخسائر والتنازلات، يجد المؤيدون أنفسهم في مواجهة واقع مرير لم يكونوا مستعدين له، ما قد يؤدي إلى حالة من الإحباط وخيبة الأمل. هذه “السفينة الغارقة” تحتاج إلى حلول حقيقية ومواجهة للواقع، لا إلى مجرد شعارات رنانة تزيد من عمق الغرق.
الحقيقة التي يخفيها قاسم، هي أن “الحزب” رفع “الراية البيضاء” تحت وقع الضربات الموجعة، وأن “سفينة الحزب” تتجه نحو قاع “المحور” بوتيرة متسارعة، بينما صخرة الروشة لن تكون أبدًا خشبة خلاص.
