.jpg)
قد تتحول لحظة يُفترض أن تكون من أسعد أيام العمر إلى بداية رحلة شاقة تكشف معاناة خفية تعيشها ملايين النساء حول العالم بصمت. هذا ما حدث مع البريطانية لانا بوكوك التي خاضت تجربة ولادة عسيرة استمرت 85 ساعة متواصلة، انتهت بإدخال مولودها إلى وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة. لم تكن تدرك الشابة، البالغة من العمر 30 عاماً والمقيمة في كايرفيلي، أن وراء تلك الولادة الصعبة سبباً مرضياً ظل مجهولاً لسنوات، إلى أن تم تشخيصها لاحقاً بمرض الانتباذ البطاني الرحمي.
مرض منسي ومعاناة صامتة
الانتباذ البطاني الرحمي هو اضطراب صحي تنمو فيه بطانة الرحم داخل جداره أو في أماكن أخرى من الجسم، ما يؤدي إلى أعراض منهكة مثل نزيف حاد، آلام مزمنة في الحوض، واضطرابات في الخصوبة. ووفقاً لشبكة “BBC”، فإن أكثر من امرأة من بين كل عشر نساء حول العالم تعاني من هذا المرض. ورغم انتشاره الواسع، يبقى المرض غامضاً وصعب التشخيص، ما يترك كثيرات يعانين لسنوات طويلة قبل الحصول على الرعاية المناسبة.
مخاطر صحية متعددة
يقول استشاري أمراض النساء الدكتور أنتوني جريفثس إن الانتباذ البطاني الرحمي يزيد من مخاطر الإجهاض، الولادة المبكرة، وحتى تسمم الحمل. ويشير إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الأطباء لا يبحثون عن هذا المرض بشكل كافٍ، رغم أنه شائع. غير أن التطور في التصوير بالرنين المغناطيسي أتاح اليوم إمكانية كشفه في مراحل أبكر مما كان يُعتقد.
رحلة الألم والبحث عن الحل
قبل تشخيصها، كانت بوكوك تعاني من آلام حادة أجبرتها على الاعتماد على عصا للمشي، إلى جانب نزيف متكرر أنهك جسدها. وتصف معاناتها قائلة: “لم أكن أبحث عن الحفاظ على خصوبتي، بل عن استعادة جودة حياتي”. بعد معاناة طويلة، اتخذت قراراً صعباً بإجراء استئصال للرحم مع الإبقاء على المبايض، لتقول بعد ثلاثة أشهر من العملية: “لقد تغيرت حياتي بالكامل، وأتمنى أن يُؤخذ هذا المرض على محمل الجد”.
أزمة رعاية صحية نسائية
الأرقام في ويلز تكشف حجم الأزمة؛ إذ تشير مؤسسة “المعاملة العادلة للنساء” إلى أن هناك أكثر من 158 ألف امرأة مصابة بالانتباذ البطاني الرحمي في البلاد، فيما تنتظر أكثر من 54 ألفاً الحصول على رعاية نسائية متخصصة. وتؤكد الكلية الملكية لأطباء النساء والتوليد (RCOG) أن ضعف الاستثمار في الأبحاث والتشخيص والعلاج يفاقم معاناة النساء، بل ويرتبط حتى بارتفاع معدلات الانتحار بين المصابات.
خطوات بطيئة نحو التغيير
استجابة لهذه الأزمة، أعلنت الحكومة الويلزية أن الانتباذ البطاني الرحمي أصبح من بين ثمانية مجالات ذات أولوية في خطتها لصحة المرأة. وخصصت 3 ملايين جنيه إسترليني لإنشاء مراكز متخصصة لصحة المرأة بحلول عام 2026، مع التركيز على دعم التشخيص المبكر وتوفير رعاية أكثر شمولية. ورغم هذه الخطوات، تؤكد منظمات نسوية أن الطريق ما زال طويلاً، وأن آلاف النساء ما زلن يعشن بصمت مع مرض يقيد حياتهن اليومية ويدمّر قدرتهن على الاستمتاع بأبسط تفاصيلها.