
لم تمر الجلسة التشريعية بالأمس في مجلس النواب اللبناني مرور الكرام، بل تحوّلت إلى ساحة لجدال حاد وصراخ وانسحابات لعدد من النواب، كان محورها الرئيسي قانون الانتخابات. هذا المشهد المتوتر، الذي انتهى برفع الجلسة من قبل رئيس المجلس نبيه بري بعد فقدان النصاب، والدعوة إلى جلسة ستعقد اليوم الثلاثاء، لم يكن سوى مؤشر واضح على الأزمة العميقة التي تعصف بالعملية الديمقراطية في لبنان، وتحديداً فيما يخص حماية حق الاقتراع للمغتربين وضمان إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري.
باتت النوايا واضحة للعيان، هناك محاولة ممنهجة لخنق أصوات المغتربين اللبنانيين، الذين يمثلون شريحة واسعة ومؤثرة قادرة على إحداث فارق حقيقي في المشهد السياسي. هذا الصوت، الذي يخشى البعض وصوله إلى مكانه الصحيح، يتعرّض لمحاولات تهميش واضحة. وقد أكد النائب جورج عدوان من داخل مجلس النواب على خطورة الوضع، مشيراً إلى أن هناك “خطرًا حقيقيًا على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري”، كما وحذر عدوان من أن “محاولات تعطيل هذا الاستحقاق ستُبيّن أننا كدولة وعهد وحكومة ومجلس نيابي فاشلون”، معلنًا تعليق مشاركته في اللجنة الفرعية التي تبحث قوانين الانتخاب. هذا التعليق لم يكن قرارًا سهلاً، لكنه جاء لتجنُّب أن تكون اللجنة “ستارًا لربح الوقت وتأجيل الانتخابات”، وهي خطوة تعكس مدى فقدان الثقة في جدية بعض الأطراف في التعامل مع هذا الملف المصيري.
من جانبه، شدد عضو تكتل الجمهورية القوية، النائب رازي الحاج، في حديث عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، على أن القانون الحالي نافذ، وأن عدم البحث والبت في موضوع التصويت الاغترابي سيحرم الانتشار اللبناني من فرصة المشاركة الفاعلة في صناعة القرار. وأرجع الحاج هذا الوضع إلى “عدم جدية البعض في بحث القانون المعجل المكرر”، الذي “رفض رئيس مجلس النواب وضعه على جدول الأعمال”. هذا الرفض يثير تساؤلات جدية حول الدوافع الكامنة وراء عرقلة مسار يهدف إلى تعزيز الديمقراطية ومشاركة جميع شرائح المجتمع اللبناني في الانتخابات، داخل وخارج الوطن.
من وجهة نظر حكومية، إن تعطيل قانون الانتخابات، وتحديداً فيما يتعلق بصوت المغتربين، يحمل في طياته تداعيات وخيمة على المستقبل السياسي والاقتصادي للبنان. ففي ظل الأزمة الطاحنة التي يمر بها البلد، تُعتبر الانتخابات النيابية فرصة لإحداث تغيير ديمقراطي حقيقي، وتجديد الشرعية للمؤسسات الدستورية، وحرمان المغتربين من حقهم في الاقتراع لا يمثل إجحافًا بحقهم فحسب، بل يُفقِد العملية الانتخابية جزءًا كبيرًا من تمثيلها وصدقيتها، ويساهم في استمرار حالة الشلل السياسي والجمود التي تعيشها البلاد.
المصادر الوزارية تعتبر، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن ما شهدته الجلسة التشريعية بالأمس، هو إنذار خطير، فمعركة قانون الانتخابات ليست مجرد خلاف على بنود قانونية، بل هي صراع على مبادئ الديمقراطية وحق المواطنين في التعبير عن إرادتهم، واستمرار هذه المماطلة والتعطيل يهدد بضرب الاستحقاق الدستوري في الصميم، ويخنق صوت التغيير الذي يأمل اللبنانيون في أن يحمله المغتربون، سائلة، “هل ستنتصر الإرادة الديمقراطية، أم أن محاولات خنق الأصوات ستنجح في إبقاء “الستاتيكو” على ما هو عليه؟. المؤشرات الحالية تدعو للقلق الشديد.