ليس خافياً على أحد أن الممانعة في لبنان تحاول أن تستعيد زمام المبادرة بعد النكبة التي حلّت بها نتيجة استراتيجيتها الفاشلة ومراعاتها المصالح الإيرانية على حساب لبنان، وحتى على حساب “الحزب” نفسه الذي خسر أمام إسرائيل أكثر من نصف قوته العسكرية، وأمينه العام حسن نصرالله وعدداً من المسؤولين والقادة العسكريين من الصف الأول، ما أدى إلى نكبة لبيئته التي لا تزال تعاني حتى اليوم.
كان من البديهي أن تستفيد الدولة اللبنانية من ضعف “الحزب” لاستعادة قرارها الحر ومؤسساتها وسيادتها على كامل أراضيها، وقد اجتازت، مدعومة من المجتمع الدولي، نصف الطريق عبر انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس حكومة وتشكيل حكومة من أكثرية سيادية، وإجراء تعيينات عسكرية وأمنية وإدارية وقضائية جيّدة. بلغت الذروة، في إصدار قرار حكومي غير مسبوق يقضي بحصر السلاح بيد الدولة، أي تفكيك سلاح “الحزب” وتسليمه للدولة.
وضع الجيش اللبناني، بناءً على طلب من الحكومة، خطة تقضي بسحب هذا السلاح، غير أن علامات استفهام عدّة ارتسمت حول تطبيقها، وخصوصاً مع تحدي “الحزب” المعلن في الامتناع عن تسليم سلاحه، وتصرفاته المخالفة للقرارات الحكومية والقوانين المرعية الإجراء في مسألة إضاءة صخرة الروشة، وما ظهر من تقاعس لدى بعض الوزراء والقادة الأمنيين والعسكريين في تنفيذ ما طلبه الرئيس نواف سلام، بعد انقلاب “الحزب” على الاتفاق الذي سمح بتجمع أنصاره من دون إضاءة الصخرة!.
في الواقع، يحاول “الحزب” تحدي الدولة في كل مناسبة، مدعوماً من النظام الإيراني في لحظة اشتباك مع المجتمع الدولي عموماً والولايات المتحدة خصوصاً. وتبدو هذه التصرفات، التي لا تنسجم مع مفهوم الدولة، كثيفة، بالتحالف مع حركة “أمل”، وها هي تُستكمل بانقلاب على أكثرية نيابية تطالب بتعديلات على قانون الانتخاب، وأهمها إلغاء المادة 112 لتمكين المغتربين اللبنانيين غير المقيمين من الاقتراع أسوة بالمقيمين، وإجراء الانتخابات في موعدها.
هذا الأداء “المشبوه” الذي يمارسه الرئيس نبيه بري و”الحزب” يمكن وضعه في خانة “الانقلاب” على الدولة التي تحاول النهوض. لكن لا بد من الإشارة إلى أن أركان الدولة، وخصوصاً رئيسي الجمهورية والحكومة والفريق السيادي وفي مقدمته “القوات اللبنانية”، لم يخسروا زمام المبادرة بعد، على الرغم من التصدعات التي تظهر بين أركان الدولة العميقة في مواجهة “الحزب”، وخصوصاً التباينات بين الرئيسين عون وسلام في المقاربة التي يجب اعتمادها.
من الواضح أن الدولة اللبنانية العميقة لم تتحرر بعد من “فوبيا الحزب”، وتتوجس دائماً من حرب أهلية قد تحصل إذا تصرف الجيش بحزم مع مخالفات “الحزب” أو مع استمراره في الاحتفاظ بالسلاح. لذلك تتجه أنظار الجميع، محلياً ودولياً، نحو التقرير الشهري الذي سيصدره الجيش ويبيّن مدى الجدية في التعامل مع سحب سلاح “الحزب”.
ظاهرياً، لا يبدو أن هناك إنجازات على هذا الصعيد، وهذا ما يُقرأ من عدم استعداد “الحزب” للتعاون ومن الهواجس التي ذكرناها آنفاً، علماً أن الوقت ليس في مصلحة لبنان. ولا يزال كلام الموفد الأميركي توم براك يتردد حتى اليوم بأن المسؤولين في الدولة اللبنانية لا يفعلون سوى الكلام، ولا أفعال في الأفق.
في المقابل، لا تبدو المهلة مفتوحة أمام لبنان، وخطر استئناف إسرائيل الحرب ضد “الحزب” بات وشيكاً، وهذا ما ذكره برّاك أيضاً. وتشير المعلومات الواردة من واشنطن إلى أن الرئيس دونالد ترامب بدأ أمله يخيب من السلطات اللبنانية العاجزة.
ما تحقق حتى الآن جيد على الصعيد النظري، لكنه ناقص بشدة على الصعيد التطبيقي. وهذا ما يستفيد منه “الحزب” بحيث يلعب على وتر التباينات بين المسؤولين اللبنانيين الرسميين. لذلك على الحكومة إعادة إنعاش قرارها الذي يقضي بحصر السلاح، وإلزام المؤسسة العسكرية بتنفيذ القرار ضمن مهلة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أشهر، مع تقديم تقارير واضحة معززة بإنجازات فعلية يواكبها الإعلام، وإلا ستفقد السلطة زمام المبادرة، ويصبح مصير لبنان في مهب الصراع الأميركي- الإيراني على نحو أشد ضراوة، من دون مراعاة مصلحة لبنان.
أما المواجهة التي تخوضها الأكثرية النيابية السيادية في وجه “الحزب” وبري، لعدم تأجيل الانتخابات وإلغاء المادة 112 التي تمنع انتخاب المغتربين لـ128 نائباً، فتؤكد أن المبادرة لا تزال بيدها، ويمكنها أن تعطل محاولات “الثنائي الشيعي”، وخصوصاً بري، لمصادرة قرار المجلس النيابي.
لبنان أمام مفترق طرق مرة أخرى، وعلى الرغم من خيبات الأمل الدولية من لبنان الرسمي المتردد في مسألة حصر السلاح، لا يزال الزخم الدولي متوافراً، ولا يحتاج الأمر سوى إلى قرارات جريئة يُعمد إلى تنفيذها، ولو تطلبت عمليات جراحية موضعية، وإلا سنخسر لبنان الحرية والسيادة مرة جديدة، ليُعلن دولة فاشلة ومعزولة.
