
على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها معظم اللبنانيين، ووسط ضعف القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق منذ انهيار الليرة العام 2019، تُسجّل أسعار السلع الغذائية الأساسية ارتفاعات متتالية، باتت واضحة في مختلف السوبرماركت. فحتى أبسط المواد والسلع الغذائية اليومية، كالزيت، الأرز، الفاصولياء، البرغل، الحمص، المعكرونة، السكر، الحليب، المعلبات، وغيرها من السلع الغذائية الأساسية، ارتفعت أسعارها بنسب تجاوزت أحيانًا 30% خلال شهر واحد، بالمقارنة بين شهر أيلول الفائت وأشهر الصيف.
الملاحظ، بحسب معظم الخبراء والمراقبين المستقلين في منظمات غير حكومية عدة، أن “ارتفاع أسعار السلع الغذائية يطال تقريبًا كل المحال التجارية، مع شبه غياب للعروض الترويجية التي كانت تشكّل سابقًا متنفسًا للمستهلكين”. ويلفت الخبراء والمراقبون إلى أنه “إن وُجدت بعض “العروض”، فهي شكلية، لا تؤثر فعليًا على السعر أو تبقى محصورة بسلع ثانوية”.
اللافت أيضاً، وفق ما يقول الخبراء والمراقبون لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، “هو غياب الرقابة الفعلية من وزارة الاقتصاد والتجارة على الأسواق. فبعض المراقبين يقولون إن الوزارة تُسيّر دوريات “شكلية” لا تملك صلاحيات الضبط الفعّال، فيما يرى آخرون أن التجار باتوا “أقوى” من الدولة، مستفيدين من فوضى التسعير بالدولار وغياب الرقابة المسبقة أو الرادعة. فالتجار يُسعّرون السلع بالدولار النقدي، كما بات سارياً منذ فترة، ووفقاً لهوامش ربح ضخمة، غير مبررة، ما يجعل الأسعار “مفتوحة” في السوق بلا حسيب أو رادع”.
ويؤكد الخبراء، أن “الفجوة الطبقية تتسع، فالمستهلك اللبناني، الذي يتقاضى النسبة الأكبر من راتبه بالليرة وبجزء بسيط منه بالدولار، أو يتقاضى راتباً منخفضاً بالدولار، يعجز اليوم عن تأمين حاجاته من السلع الغذائية الأساسية بالشكل المطلوب وبالحد الأدنى، باستثناء فئة محدودة من اللبنانيين الذين يتقاضون بالدولار من عمل خارجي أو عبر شركات أجنبية، أو تصلهم تحويلات منتظمة من الخارج”.
ويلفت الخبراء، إلى أنه “مع بقاء الأجور على حالها أو بزيادات هزيلة، وفي ظل ارتفاع أسعار السلع الغذائية والخدمات وغيرها من الحاجات الأساسية، تتسع الفجوة الطبقية أكثر فأكثر، وتتراجع مستويات المعيشة، حتى لدى الطبقة المتوسطة التي أصبحت أقرب إلى الطبقة الفقيرة”.
الخبراء يربطون هذا الغلاء المستشري في الأسواق وارتفاع أسعار السلع بعوامل عدة، أبرزها: ارتفاع أسعار النفط عالميًا ما ينعكس على تكاليف النقل، واحتكار بعض المستوردين الكبار للسوق، وانعدام آليات تسعير واضحة ومراقبة صارمة من الدولة”، معربين عن أسفهم لأنه “في النهاية، يجد اللبناني نفسه ضحية، عالقاً بين جشع التجار، وغياب الدولة، وفوضى السوق. والأخطر أن هذا المسار مرشّح للاستمرار، طالما لا إصلاحات جدية ولا رقابة حقيقية على الأسعار”.