.jpg)
منذ قرن من الزمن، لم يكن الاغتراب اللبناني حدثًا عابرًا في مسار لبنان، بل تحوّل إلى ظاهرة بنيوية شكّلت ركيزة أساسية في بقاء البلد وصموده. فالاغتراب لم ينشأ من رفاهية البحث عن المغامرة أو حبّ الاستكشاف، بل كان ثمرة مرّة لفساد منظومة سياسية واقتصادية دفعت أبناء الوطن إلى الرحيل طلبًا للكرامة والعيش الكريم. من هنا، فإنّ كل مهاجر لبناني يحمل في حقيبته ليس فقط جواز سفر، بل حكاية فشل دولة في احتضان أبنائها.
مع ذلك، ظلّ المغترب صمّام أمان. لم يتخلَّ يومًا عن وطنه الأم، بل ظلّ يمدّه بالمال والفكر والعلاقات والفرص. هو من أبقى العائلات صامدة في الداخل، وهو من ضخّ المليارات في اقتصاد مترنّح، وهو من شكّل صورة لبنان الحقيقية أمام العالم: بلد العلم والعمل والإنجاز، لا بلد الانهيارات. بعبارة أوضح، لولا الاغتراب لكان لبنان مجرّد جغرافيا خاوية، لا دولة حيّة.
لكن هذا الدور البنيوي يُقابَل اليوم بمحاولات ممنهجة لتأطير المغترب في خانة ضيّقة، عبر حصره بستة مقاعد نيابية فقط، وكأنّ الملايين المنتشرين عبر القارات مجرّد ملحق انتخابي لا قيمة فعلية له. هذا الطرح ليس فقط تقليلاً من شأن الاغتراب، بل هو انتقاص من سيادة الوطن نفسه، لأنّ الدستور لم يأتِ على تقسيم اللبنانيين إلى درجات في المواطنة، ولم يُجز لأي سلطة أن تبتكر فئة “نصف ناخب” أو “ناخب ملحق”.
المنطق الوطني والسياسي واضح: المغترب لبناني كامل الحقوق، وصوته يجب أن يمتد ليطال 128 نائبًا، تمامًا كما المواطن المقيم. أي مقاربة أخرى هي تحايل على النصوص والحقائق معًا، ومحاولة لتهميش قوة انتخابية وطنية يخشى البعض من مواقفها وتوجّهاتها.
إنّ إصرار بعض القوى على تقليص دور الاغتراب والمغترب يكشف خشيتها من إدخال عنصر وطني جديد على معادلة الاستحقاقات، عنصر لا يخضع للزبائنية ولا لابتزاز المساعدات ولا للترهيب الميداني. المغترب محرّر من أثقال الولاءات المفروضة، وصوته حين يدوّي يكون أكثر صفاءً وارتباطًا بفكرة الوطن لا بمصالح الفئات.
ثمّة حقيقة أساسية يجب التوقف عندها: إن منح المغترب صوته الكامل ليس مجرد حق له، بل هو استثمار في مستقبل لبنان. فالمغترب، الذي يمثل نخبة لبنان العلمية والمهنية والمالية، حين يشعر أنه شريك حقيقي في صناعة القرار، يكتسب حافزًا أكبر للعودة والاستثمار وبناء البلد. تمكينه سياسيًا هو الخطوة الأولى لعكس موجة “هجرة الأدمغة” وتحويلها إلى موجة “إعادة بناء الأدمغة”. من يحاول أن يحصر المغترب في مقاعد شكلية أو يعطّله عن ممارسة دوره الانتخابي، إنما يوجّه رسالة واضحة: إنه لا يريد للبنان أن ينهض ويستعيد مكانته، بل يريد له أن يبقى غارقًا في الخراب، أسير مصالح ضيقة لا ترى أبعد من حدود سلطتها.
من هنا، فإنّ النقاش الحقيقي لا يجب أن يدور حول “عدد مقاعد المغتربين”، بل حول واجب الدولة في إعادة دمج الاغتراب اللبناني كقوة تأسيسية في الحياة السياسية اللبنانية. المغترب ليس رقمًا إضافيًا في جداول الناخبين، بل هو ذاكرة وطنية وذراع مستقبلية للبنان. إنّ حرمانه من انتخاب 128 نائبًا هو إصرار على إقصاء هذه القوة، وإبقاء قرار مجلس النواب أسير أشخاص يتقاسمون البلد وكأنه شركة خاصة.
لبنان لا يمكنه أن يتقدّم ما لم يُفتح الباب أمام كل أبنائه، في الداخل والخارج، للمشاركة الكاملة والمتساوية. فالمغترب الذي أعطى لبنان الحياة في الانهيار، يستحق أن يكون شريكًا كاملاً في صناعة مستقبله. والاعتراف بهذا الحق ليس منّةً من أحد، بل هو استعادة للبديهيات الوطنية، وتأكيد أن لبنان وطن لجميع أبنائه، لا لمَن يحتكر المؤسسات ويفصّلها على مقاسه.