سؤال مؤلم يتردد على ألسنة اللبنانيين، هل حُكم على لبنان أن يبقى في الأزمات؟ هذا التساؤل ليس مجرد تعبير عن يأس، بل هو انعكاس لواقع سياسي واقتصادي يلفه الغموض والتعقيد. إن المشهد السياسي اللبناني الراهن يراوح مكانه، مع تعثر واضح في معالجة أبرز الملفات الشائكة التي تشمل السياسة، الأمن، والاقتصاد، مما يغذي شعوراً عاماً بالانسداد واللايقين بشأن المستقبل.
في الواقع، لا يمكن فصل الأزمة اللبنانية عن جذورها الهيكلية، فالملفات الحيوية التي تمس صميم الدولة المدنية تتعرض للعرقلة المستمرة، فعلى الصعيد الأمني، تظل عملية حصر السلاح بيد الدولة تراوح مكانها، وهي النقطة التي يعتبرها عدد كبير من المرجعيات الداخلية والخارجية مفتاحاً لإعادة بناء الثقة والاستقرار. إن التباينات العميقة حول هذه المسألة تعكس صراعاً على طبيعة وهوية الدولة، وتؤكد أن الأولوية الأمنية لم تتحقق بعد.
بالتوازي مع التحدي الأمني، يظل الهم المعيشي والاقتصادي على حالة من التدهور، اللبنانيون يرزحون تحت وطأة انهيار العملة، التضخم، والفقر المتزايد، بينما تبقى الحلول الإصلاحية الجذرية مؤجلة أو معطلة بفعل الخلافات السياسية. هذا التدهور الاقتصادي ليس مجرد رقم، بل هو تهديد مباشر للأمن الاجتماعي والسلم الأهلي.
آخر فصول هذا التخبط هو ملف الانتخابات النيابية الذي عاد إلى الواجهة محملاً بخلافاته وتشعباته. على الرغم من أهمية هذا الاستحقاق الدستوري كفرصة لتجديد الحياة السياسية وإحداث التغيير، إلا أن الخلافات حول قانون الانتخاب وتفاصيله تهدد بتعطيله أو إجرائه وفق آليات تخدم استمرار المشهد الحالي. والأمر الأكثر إحباطاً هو أن المعرقلين هم أنفسهم الذين يعرقلون الملفات الأخرى، ما يشير إلى أن الأزمة ليست في غياب الحلول بقدر ما هي في إرادة المضي بها. هذا التكرار في العرقلة يؤكد أن الأزمة اللبنانية هي أزمة منظومة لا أزمة ملفات متفرقة.
الهمّ اللبناني لم يعد يقتصر على الصعيد الداخلي فحسب، فقد أعربت مراجع دبلوماسية بارزة عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، عن قلقها الشديد من الإشارات السلبية الآتية من لبنان، هذه الإشارات تعكس صورة غير مطمئنة عن ما هو قادم إلى لبنان، وتؤكد أن المجتمع الدولي يراقب بعين الريبة هذا التباطؤ. ويُعد ملف حصر السلاح على وجه الخصوص نقطة حساسة في الأجندة الدولية، إذ يعتبر شرطاً أساسياً لعودة الاستثمارات والمساعدات اللازمة لانتشال البلاد من قعر الأزمة الاقتصادية. عدم إحراز تقدم في هذا الملف يُترجم إلى تراجع في الدعم الخارجي، مما يزيد من عزلة لبنان وتفاقم معاناته.
التحدي الأكبر أمام لبنان، يكمن وفق المراجع ذاتها، في كسر حلقة التكرار التي يفرضها المشهد السياسي اللبناني الحالي، والإجابة على سؤال “هل حُكم على لبنان أن يبقى في الأزمات؟” تتوقف على مدى قدرة القوى السياسية على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية الضيقة، والبدء فعلاً في تطبيق الإصلاحات التي يطالب بها الشعب والمجتمع الدولي، وفي مقدمتها معالجة ملف حصر السلاح لتأمين استقرار حقيقي، فبدون هذه الإرادة، سيظل لبنان أسير دورة مفرغة من الأزمات.
.jpg)