#adsense

عندما يصرّ رئيس الحكومة على الـ”لا” السيادية

حجم الخط

الحكومة اللبنانية

تأسيسًا على أن التعميم الذي أصدره رئيس الحكومة القاضي نواف سلام عن فعالية واحتفالية “إضاءة صخرة الروشة”، لا يخرج عن إطار صلاحيته، ولا عن إطار إنفاذ القوانين بالتساوي على الجميع، وعلى انه لم يخرج عن السياق العام السائد منذ السابع والعشرين من تشرين الثاني من العام 2024 ولا عن خطاب القسم ولا عن بيان التكليف والبيان الوزاري بعد التشكيل، وطبعًا لن يخرج هو والتعاميم اللاحقة العتيدة عن قرارات جلسات مجلس الوزراء في 5 و7 آب و7 أيلول من العام 2025، يصبح  من المستهجن والمستنكر، أن يكون موقف رئيس الحكومة القاضي نواف سلام مستغربًا من الطرفين اللبنانيين النقيضين المتقابلين المتواجهين، إن كان تأييدًا أو اعتراضًا تهديديًا، إذ إن موقف سلام “سليمٌ” وصحي وصحيح من النواحي كافة، إن كانت السيادية أو القانونية أو من ناحية خاصة، الحفاظ على السلم الأهلي والأملاك العامة والخاصة، وهو يقع ضمن صلاحيات رئيس الحكومة المستجدة في اتفاق الطائف.

قد يكون مثار الاستغراب هو في استثنائيته وخروجه عن النمط “اللا سيادي” الذي طبع ولايات البعض من رؤساء الحكومات السابقين المتعاقبين. فمن اعتكاف الرئيس رشيد كرامي من 24 نيسان من العام 1969 الى 3 تشرين الثاني من العام نفسه للضغط على السلطة والدولة ورئيس الجمهورية وقائد الجيش لتوقيع اتفاق القاهرة، واستقالة صائب سلام في 10 نيسان من العام 1973 بعد عملية فردان ومطالبته باستقالة قائد الجيش… ووقوف رئيس الحكومة أمين الحافظ  مع الرئيس حافظ الأسد ومحمد أنور السادات الى جانب الفلسطينيين ضد الجيش اللبناني أثناء الاشتباكات التي وقعت في 2 أيار من العام 1973 لمنع الجيش من بسط سلطة الدولة وفرض هيبتها… مما أدى لاحقاً الى توقيع اتفاقية ملكارت في 17 أيار من العام 1973 والتي كانت مكمّلة لاتفاق القاهرة وممهدة للحرب اللبنانية التي اندلعت في 13 نيسان من العام 1975، كما في وقوف رئيس الحكومة رشيد الصلح مع المنظمات الفلسطينية بوجه أحزاب الجبهة اللبنانية ورفض رشيد كرامي، مستكملًا لدوره في توقيع اتفاق القاهرة، ونزول الجيش لوقف الحرب التي كانت في بدايتها بذريعة “الخوف من انقسام الجيش” الذي عاد وانقسم.

مع التنويه بأنه لم يكن لرئيس الحكومة، في تلك المساهمات اللاسيادية المذكورة، أي صلاحية تنفيذية إجرائية بعكس ما هو حاصل بعد دستور الطائف، ومع ذلك فعل هؤلاء ما فعلوه.

من التجارب المضيئة السيادية لرؤساء الحكومات، نتوقف عند الرئيس شفيق الوزان بوقفاته ومواقفه السيادية، ومنها تلك الاستباقية الوقائية بوجه الحرس الثوري الإيراني، إذ إن حكومته أعطت في أواخر تشرين الثاني من العام 1983 الحرس ومتطوعيه مهلة  “ثلاثة أيام للانسحاب من لبنان في أواخر تشرين الثاني، لتقطع حكومته  العلاقات الدبلوماسية بعد انقضائها مع إيران والتي دام انقطاعها حتى انقلاب 6 شباط من العام 1984، لتعود “العلاقات” تحت ضغط سلاح المنقلبين وبطولة حركة “أمل”.

لم يكن قرار حكومة الوزان السيادي الا نتيجة وجوابًا على ممارسات وارتكابات الحرس ومتطوعيه وتابعيه، ونموذجها الصارخ ما أعلنته قيادة قوى الأمن الداخلي في 20 تموز  من العام 1983 عن “توقيف متهمين باستهداف رئيس الحكومة شفيق الوزان صباح السابع من شهر تموز، أثناء مرور موكبه من منطقة الصنائع وعلى بعد أقل من مئة متر من القصر الحكومي”. يومها قالت الوكالة الوطنية إنه “اتضح من التحقيقات التي قامت بها قوى الأمن بإشراف المدير العام لقوى الأمن الداخلي العميد عثمان عثمان، وبمشاركة دوريات من شرطة بيروت والشرطة القضائية ووحدة الدرك، أنّ المنفذ الأساسي في العملية والذي قام بتفخيخ السيارة، وربما تفجيرها أيضًا، هو ابراهيم عقيل من جماعة حسين الموسوي (النائب السابق للحزب والمستشار السياسي الحالي للأمين العام للحزب)، وأنّ الأخير سبق واتهم بسلسلة حوادث اعتداء ضد القوى الأمنية وخصوصًا الجيش في منطقة بعلبك ـ الهرمل وغيرها”، وقالت الوكالة الرسمية اللبنانية: “على الرغم من أنّ المتهم عقيل لا يزال فارًا، إلا أنّ قوى الأمن تمكنت من توقيف بعض شركائه الذين أدلوا باعترافات كاملة عن دورهم في العملية، والخطة التي رسمت لتنفيذها. وبلغ عدد هؤلاء الموقوفين خمسة أشخاص هم المتهمون المعنيون بمحاولة الإغتيال. وهناك موقوفون آخرون وجهت إليهم تهمة سرقة السيارة المفخخة بغرض بيعها”.

قد يكون ما عاناه الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع نظام الوصاية، بما عرّف وعن حق بـ”النظام الأمني السوري ـ  اللبناني” وجناحه العسكري غير الشرعي المتمثل بـ”الحزب”، خير دليل على النهج السيادي الذي اعتمده الرئيس الحريري ولو بتدرج تصاعدي، وبسبب هذا النهج التحريري التحرري وفي سبيله، سقط شهيدًا بتوقيع “المحتفلين” الخارجين على القانون في صخرة الروشة.

من نفس إطار  انتفاضة القاضي نواف سلام بوجه انتهاكات “الحزب” ومخالفاته وارتكاباته، وبخلاف من ذكرناهم من رؤساء الحكومات منتهكي السيادة، لا بدّ أن   نعود الى تاريخ 14 نيسان  من العام 2001 عندما قام “الحزب” بعملية في مزارع شبعا سقط فيها جندي إسرائيلي. وعلى الرغم من أن لبنان كان تحت الاحتلال السوري ودولته وحكومته وتحت نير وصايته، كان لرئيس الحكومة اللبنانية الشهيد رفيق الحريري رأي حازم رافض صريح شجاع، عبّرت عنه صحيفته “المستقبل” في اليوم التالي للعملية في “مانشيت” تحت عنوان “مزارع شبعا: عملية التوقيت الخاطىء”. ونقرأ من  مقال صحيفة الرئيس الحريري  بعضًا من المقتطفات ذات الدلالات:     “الحكومة لا تستطيع أن تقف موقف المتفرج إزاء أفعال يمكن لها – مهما سمت دوافعها ومقاصدها – أن تنعكس سلبًا على مصالح اللبنانيين”.

“هل إن القرار بتنفيذ هذه العملية هو قرار حكيم وتوقيتها توقيت متناسب مع مصالح لبنان العليا”؟ هل الظروف التي يواجهها لبنان اليوم تحتمل عملية من هذا النوع مع ما يمكن أن ينجم عنها من تبعات سياسية واقتصادية واجتماعية”؟

“إن انتصار الانسحاب (الإسرائيلي) هو ملك اللبنانيين جميعًا، كذلك الحفاظ عليه، ولا يجوز لفئة منهم أن تقرر نيابة عنهم أي خطوة من شأنها أن تفك الإجماع الوطني الذي أنتجه. ما هي الحسابات الداخلية والخارجية التي استندت اليها في قرارها تنفيذ العملية أمس، وما هي الفائدة التي رأتها فيها بالميزان الوطني للربح والخسارة”؟

“هل مقومات الإجماع الوطني متوافرة لهذه العملية وهي كانت متوافرة للعمليات السابقة لتحرير الجنوب؟ مسؤولية الحكومة في هذا المجال لا تقل أبدًا عن مسؤوليتها في تحرير ما تبقى من أراض لبنانية محتلة. مطلوب أن تكون جهوزية المقاومة عنصرًا إيجابيًا في استراتيجية الدولة لتحرير الأرض المحتلة، لا عاملاً معرقلاً ـ ولو من غير قصد ـ لاستراتيجية الدولة هذه.”

“الأسئلة الصريحة وربما الفجة تحتاج إلى أجوبة صريحة واضحة وعاجلة تتلاءم مع دقة المرحلة التي يمر بها لبنان والمنطقة وحساسيتها”.

كم تشبه الاتهامات التي ساقها “الحزب” بقيادييه وإعلامييه وناشطيه ورعاعه بحق الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بتلك التي يسوقوها اليوم أنفسهم بحق رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، هدرًا لدمه، لثنيه وحكومته ودولته بكافة مراجعها عن القيام بالواجب الوطني السيادي الحازم.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل