
“أنتم من وافقتم على الدائرة الـ16 فتحمّلوا مسؤولياتكم… قانون الانتخاب الحالي لا يتقدم عليه إلا الإنجيل والقرآن”.
الرئيس نبيه بري في 2 تشرين الأول من العام 2025.
لم يكن ما رمى به الرئيس بري حزب “القوات اللبنانية” موفقًا، وهو الذي ترأس السلطة الاشتراعية منذ العام 1992، وهو الذي يفترض به أن يكون متمرسًا وعالمًا أن القوانين الوضعية المدنية وحتى الدساتير، لم تكن يومًا منزلة ولها آلياتها المنصوص عنها في التعديل والإلغاء، والإبطال، والتراجع والمراجعات.
لقد فتح الرئيس برّي بمضمون حديثه على نفسه وحلفائه والمحور الذي ينتمي اليه الباب واسعًا، لتنال منهم رياح الانقلابات على ما سبق أن وافق عليه هؤلاء واتفقوا مع الآخرين بشأنه وتعهدوا للأبعدين قبل الاقربين.
فمن نفس منطوق مضبطة اتهام بري لـ”القوات”، يحمّل الرئيس بري و”الحزب” و”التيار“، ويتحمل هذا الثلاثي المعطّل للتعديل القانوني الذي تجيزه القوانين والأعراف والنظام الداخلي لمجلس النواب، المسؤوليات الجسام أمام كم هائل من التراجعات والانقلابات ولحس التواقيع على الاتفاقات والبيانات والقرارات الوزارية المحلية منها والدولية.
وفي هذا المجال الواسع نورد البعض منها من الأحدث الى الاقدم.
في 25 أيلول من العام 2025، وأمام تعميم رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام حول الفعالية التي عزم “الحزب” على إقامتها على صخرة الروشة، وبعد اتصالات مكوكية وضمانة الرئيس بري، جرى الاتفاق على أن تتقدم “جمعية رسالات” بعلم وخبر، لإقامة تجمع أمام صخرة الروشة، على الا تضاء بصورتي نصرالله وصفي الدين، وأن لا تتخطى الاحتفالية الـ500 شخص من المتجمعين، لينكث النبيه بما “وافق عليه” ولم يتحمل المسؤولية، لا هو ولا “الحزب” صاحب قرار الخرق والنكث، وها هو اليوم يهدد مجلس الوزراء إن مارس صلاحيته، بسحب العلم والخبر من جمعية “الحزب” ولو بأكثرية واضحة وفق ما يقتضيه الدستور.
في 7 أيلول من العام 2025، رحب الرئيس بري و”الحزب” بقرار مجلس الوزراء الذي رحّب بخطة الجيش لحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، استكمالًا لقراري 5 لنزع سلاح الحزب و7 آب للموافقة على أهداف ورقة توم براك… وطبعًا، لم يتحمل “الحزب” ولا الرئيس نبيه بري مسؤوليتهما، لا بالموافقة ولا بالترحيب ولا بالالتزام لا بالدستور ولا بالقرارات.
منح نواب “الحزب” و”الحركة” الثقة ولمرتين لحكومة الرئيس نواف سلام، مع تبني مضمون بيانها الوزاري الذي نص على نزع سلاح “الحزب” انطلاقًا من دستور الطائف والقرارات الدولية ذات الشأن، من الـ425 والـ1559 و1680 والـ1701 والـ1701+ الذي نص عليه اتفاق وقف اطلاق النار… وما الهجوم الذي يشنه الثلاثي “أمل ـ الحزب ـ التيار” على القرارات الحكومية ذات الصلة، الا انقلابًا على ما وافقوا عليه بالجملة أو بالمفرق.
في 27 تشرين الثاني من العام 2024، وافق مجلس الوزراء برئاسة نجيب ميقاتي وبأكثرية موصوفة لمحور بري -الحزب ـ باسيل، على اتفاق وقف إطلاق النار الذي يتعهد به الموافقون على نزع سلاح “الحزب” ابتداء من جنوب الليطاني وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بقواها الشرعية الرسمية التي حددها الاتفاق، من دون أي ذكر لـ”الحزب” أو لـ”الحركة” أو غيرهما من القوى المسلحة غير الشرعية، لبنانية كانت أو غير لبنانية… وكذلك لم يتحمل “الحزب” مسؤوليته على موافقته في مجلس الوزراء سابقًا، حيث كان له فيه الأكثرية.
في آب من العام 2006، وافق لبنان الرسمي و”الحزب” الممثل في حكومة السنيورة برعاية الرئيس نبيه، على القرار 1701 والذي نص قبل 19 عامًا على بسط سلطة الدولة وحدها، ونزع سلاح “الحزب” من جنوب وشمال الليطاني ووقف تزويده بالمال والعتاد وضبط الحدود وطبعًا الترسانة التي اكتشفت وما زالت تكتشف في جنوب الليطاني وشماله، وهي خير تأكيد على المسؤولية الملقاة على “الحزب” ومؤيديه في النكث بالتواقيع والوعود والعهود.
بعد الانسحاب الاسرائيلي في العام 2000، “تلاشت مشروعية العمل المسلَح للحزب… وليس من شأن علاقة الحزب المعلنة مع أيران أن يبدَد الشكوك المحيطة بأهداف الحزب الحقيقية وبالمخاطر المتصلة باستراتيجيته… وليست ذريعة مزارع شبعا بالبرهان المقنع. فأراضي شبعا هي سورية من وجهة نظر القانون الدولي، وإذا ما أرادت سوريا التنازل عنها فعليها إبلاغ الحكومة اللبنانية رسميًا بذلك”.
هذا ما ورد حرفيًا في البرنامج الانتخابي للتيار الوطني الحر “الطريق الآخر” الكتاب البرتقالي ـ الصفحة 20.
ومع ذلك بقي السلاح والمسلحين تحت ذريعة وشماعة مزارع شبعا، ولم يتحمل “الحزب” ولا داعموه المحليون والاقليميون المسؤولية على استمراره بـ”اللا مشروعية” المذكورة.
بعد اتفاق الطائف في العام 1990 والانقلاب السوري عليه باغتيال رينيه معوض واجتياح 13 تشرين الأول، بقيت ميليشيا “الحزب” عصية على الحل، على الرغم من شمولها هي والمنظمات الفلسطينية بقرار “حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية”. ومع تغني وتمسك الثلاثي المعطل باتفاق الطائف لم يتحملوا حتى الساعة مسؤولية الانقلاب عليه وعلى بنوده.
انطلاقًا من دحض تهمة الرئيس بري لـ”القوات” ومحضها موثّقة على محوره بالذات، يصبح من المفيد الرجوع الى “الزمن الجميل” الذي كان قائمًا بين “الحزب” و”الحركة”، والعودة الى “الاقدم” من ضمن سلسلة احترام العهود والالتزامات، لنقرأ في تاريخ 29 كانون الأول من العام 1989 ومن صحيفة “الديار” الصفحة 6، نبيه برّي يقول: “المعركة ستستمر حتى ولو استدعى الأمر مقتل 300 شخص آخرين”، وقال برّي وهو يحمل “مدفعاً رشّاشاً”: “إن وقف النار لا يمكن أن يصمد الى أن ينسحب مقاتلو الحزب ن كل المناطق التي احتلوها، والى أن يتحقق ذلك لن تلتزم حركة أمل بوقف إطلاق النار”.
.jpg)