.jpg)
على الرغم من أن الأفق السياسي في البلد لا يزال غائماً بسبب الأزمات الاقتصادية والتوترات الإقليمية، تصر مصادر سياسية بارزة على أن التركيز يجب أن ينصب على “النصف الممتلئ من الكوب”، فما تحقق أخيراً في مسار بناء الدولة في لبنان يمثل إنجازات لم يكن اللبنانيون ليحلموا بها طوال أربعة عقود من الهيمنة، التي بدأت بالوصاية السورية وانتقلت تدريجياً إلى الهيمنة الإيرانية عبر نفوذ سلاح “الحزب” الذي وضع البلاد في فوهة البركان الإسرائيلي.
هذا التقييم، الذي يرى في التطورات الأخيرة نقطة تحول حقيقية، يعكس اعتقاداً راسخاً بأن مرحلة التبعية المطلقة ولّت، وبدأ فعلياً تآكل النفوذ غير الشرعي على مفاصل الدولة، إذ تؤكد المصادر عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن المشهد الحالي يشهد عودة ملموسة لروح السيادة اللبنانية.
تعتبر المصادر، أن الحكومة الحالية هي الأكثر سيادية منذ اتفاق الطائف، وهي حكومة نجحت في الابتعاد عن لغة التبعية والوصاية. هذا الابتعاد انعكس أيضاً في أعلى هرم السلطة، حيث انطلق رئيس الجمهورية بعهده بخطاب قسم “خالٍ من كلمة مقاومة”، وهو ما سار عليه البيان الوزاري للحكومة. هذه الخطوات الرمزية، ولكن الحاسمة، تشير إلى تغيير في عقيدة الحكم نحو التعبير الصريح عن سلطة الدولة.
الأهم استراتيجياً وفق المصادر ذاتها، هو انتزاع قرار الحرب والسلم من يد “الحزب”، ليصبح محصوراً بسلطة الدولة اللبنانية وحدها. هذا الإجراء، سحب بساط الشرعية عن أي سلاح غير شرعي، وأسس لواقع جديد يقرر فيه لبنان مصيره بنفسه، بعيداً عن الأجندات الإقليمية التي تضع البلاد “في فوهة البركان الإسرائيلي”، هذه النقلة النوعية هي جوهر عملية بناء الدولة في لبنان.
تشير المصادر، إلى أنه “للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، “الحزب” بات ملاحقاً من قبل الدولة ومؤسساتها. وتعتبر أن “رخصة الهيمنة” التي كان يتمتع بها على مفاصل الدولة ومؤسساتها “تم إبطال مفاعيلها وانتهت صلاحيتها”، وهذا يعني أن الإطار السياسي والقانوني الذي كان يغطي نفوذ السلاح قد تم تفكيكه.
هذا التطور لم يكن ليتحقق، لولا إجماع داخلي واسع النطاق في لبنان على ضرورة إنهاء السلاح غير الشرعي وتطبيق القانون على الجميع. هذا الإجماع يشكل غطاءً سياسياً غير مسبوق للحكومة لتمضي قدماً في تطبيق قراراتها. فـالسيادة اللبنانية لا يمكن أن تكتمل إلا بتحييد جميع القوى المسلحة غير النظامية، وهو ما يتم العمل عليه حالياً.
يبقى التحدي الأخير في مسيرة بناء الدولة في لبنان، هو التعنت الواضح من “الحزب” في تسليم سلاحه وإبقاء لبنان “رهينة بيد إيران”. لكن المصادر السياسية متفائلة بأن هذا التعنت لن يدوم طويلاً، لسبب جوهري: سلاح “الحزب” بات عارياً من أي مظلة محلية وخارجية، فبعد أن سُحبت منه الشرعية الداخلية، تراجعت أيضاً المظلة الإقليمية التي كانت تحميه. هذا التآكل يجعل من استمرار التعنت أمراً صعباً ومكلفاً سياسياً. لم يعد لهذا السلاح تأثير حقيقي لا على الداخل اللبناني ولا على الخارج، وبات دوره يقتصر على “القليل من البهورة لرفع المعنويات فقط”.
تشدد المصادر، على أن هناك قراراً سيادياً واضحاً من الحكومة اللبنانية، سيتم تطبيقه، لأن بناء الدولة في لبنان لا يمكن أن يتم من دون حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. هذه المرحلة تتطلب صبراً، لكن المؤشرات تدل على أن اليد العليا بدأت تعود لصالح الدولة، وأن هيمنة النفوذ الإيراني عبر الوكلاء دخلت بالفعل مرحلة التراجع الحاسم.
