
يشهد المشهد السياسي والأمني في لبنان مرحلة شديدة التعقيد والتأزّم، يمكن وصفها بدقة بأنها “الوقت القاتل”. هذا المصطلح، الذي بات يتداول على نطاق واسع في الأوساط السياسية الرفيعة، يعكس حالة من الجمود السياسي حيث تراوح الملفات الوطنية الأساسية مكانها، بينما يبقى ما تحقق على الأرض قليلًا جدًا مقارنةً بالحجم الهائل من الإصلاحات والمتطلبات الضرورية لاستقرار الدولة. الأقوال عن “تقدم ملحوظ” تفتقر إلى إثباتات ملموسة تترجم هذا التقدم فعليًا، مما يزيد من منسوب القلق الشعبي والترقب الدولي.
يبرز التناقض الأكبر في ملف جنوب الليطاني، فبينما يرى البعض أن الأمن قد استتب في تلك المنطقة، فإن جوهر القرار الدولي 1701 وقرارات الحكومة اللبنانية واضح ولا لبس فيه، وهو سحب السلاح غير الشرعي، وتطبيق حصر السلاح بيد الدولة، وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية على الأراضي اللبنانية كافة.
إن الحديث عن استقرار محدود لا يلغي حقيقة التحدي الأعمق المتمثل في عدم بسط السيادة الكاملة للدولة، وهو ما يُبقي الباب مفتوحًا أمام احتمالات التدهور في هذا الوقت القاتل، كما أن التراخي في تطبيق هذه القرارات الحيوية هو ما يضع لبنان على حافة الهاوية في أي لحظة.
تُرجع أوساط سياسية بارزة هذا التأزّم إلى البطء الشديد في عملية تسليم السلاح، وهو الملف الذي يشكل عصب النزاع الداخلي والخارجي، ويُضاف إلى ذلك عامل خارجي حاسم، وهو انشغال القوى الكبرى، وعلى رأسها واشنطن، بملفات إقليمية أخرى أكثر إلحاحًا، لا سيما التطورات في ملف غزة وسوريا. هذا الانشغال، وإن كان لا يعني إهمالًا كاملًا، فإنه يمثل “انحرافًا مؤقتًا للأنظار الأميركية عن لبنان”، الأمر الذي يزيد من هشاشة الوضع الداخلي.
توازياً، يبرز خيار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل كتوجه أميركي دائم لحل الصراع القائم بين البلدين، وهو ما بات يُنقل على ألسنة معظم الموفدين الأميركيين. هذا التوجه يعكس قناعة عميقة لدى الإدارة الأميركية بضرورة الانتقال من دور الوساطة اللامتناهي إلى حث الأطراف على التفاهم المباشر، إذ توالت التصريحات التي تؤكد هذا المسار، فبعد الموفد الأميركي توم براك، جاءت تصريحات إدوارد غابرييل، الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة الدعم الأميركي من أجل لبنان، لتشدد على أن على لبنان التفاوض مباشرةً مع إسرائيل لتسوية الخلافات. وقد أكد غابرييل أن واشنطن لا يمكنها الاستمرار في لعب دور الوساطة إلى الأبد، مشيرًا إلى أن السلطات اللبنانية سمعت “النداء” الأميركي بضرورة الدخول في مفاوضات مباشرة “في وقت ما”.
يرى خبراء في السياسة الأميركية، خاصةً في ضوء المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، أن الإدارة تشجع التفاوض المباشر كحل جذري للقضايا العالقة في الشرق الأوسط، وتحديداً الصراع العربي الإسرائيلي. قد لوحظت هذه الوتيرة في ملفات إقليمية أخرى، مثل التطورات في غزة، وحتى في سوريا التي أحرزت تقدماً ودخلت مرحلة التفاوض المباشر للتفاهم مع إسرائيل على النقاط العالقة، مما يضع نموذجاً ضاغطاً على بيروت.
يشير الخبراء إلى أن التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل لا يزال يعتبر من المحرمات السياسية الداخلية في لبنان، حيث لا توجد حتى الآن فكرة ناضجة أو توافق حول طبيعة هذا التفاوض وشكله.
أما بالنسبة للحزب، يقول الخبراء عبر موقع “القوات”، إن “مسألة المفاوضات معقدة بفعل الموقف القاطع للحزب الذي يرفض التفاوض مع إسرائيل، ويشير الخبراء إلى أن رفض الحزب ليس مجرد موقف ايديولوجي داخلي، بل يرتبط بمسألتين استراتيجيتين أساسيتين”:
الارتباط بالقرار الإيراني:
قرار الحزب بالدخول في أي مفاوضات مرتبط بشكل مباشر بالقرار الإيراني وما يمكن أن تحققه طهران من مكاسب سياسية أو استراتيجية جراء هذا التفاوض. وبذلك، فإن مفتاح أي تحرك للحزب يقع في يد حليفه الإقليمي.
البحث عن الثمن السياسي الداخلي:
المسألة الثانية والأكثر أهمية بالنسبة للحزب هي الثمن السياسي الداخلي الذي سيتقاضاه مقابل الموافقة على أي تفاوض. هدف الحزب هو تحقيق مكاسب داخلية تجعله الطرف الأقوى والمهيمن على النظام السياسي اللبناني. ويشير الخبراء إلى أن الحزب “لا مشكلة لديه بالتفاوض حتى مع الشيطان” إذا كان ذلك يضمن له هذه الهيمنة الداخلية المطلقة.
