#adsense

القيلولة تزيد من الإبداع؟

حجم الخط

كشفت دراسة علمية حديثة أن القيلولة القصيرة ليست مجرد استراحة مؤقتة من التعب، بل يمكن أن تكون أداة فعّالة لتعزيز الإبداع وتنشيط الدماغ بطريقة مذهلة. فبينما كان يُنظر إلى النوم خلال النهار على أنه نوع من الكسل أو التراخي، تُظهر الأبحاث الجديدة أن الغفوة القصيرة، إذا كانت مضبوطة التوقيت، يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة للتفكير الخلّاق وتحسين القدرة على حل المشكلات.

يقول باحثون من جامعة “سوربون” الفرنسية إن القيلولة التي تتراوح مدتها بين 15 و20 دقيقة، تساعد على تنشيط الفص الجبهي في الدماغ، وهو الجزء المسؤول عن التفكير المجرد واتخاذ القرارات والإبداع. وتؤكد الدراسة أن الأشخاص الذين اعتادوا على أخذ قيلولة قصيرة خلال اليوم لديهم قدرة أعلى على ربط الأفكار غير المترابطة، واكتشاف حلول غير تقليدية للمشكلات، مقارنة بأولئك الذين يواصلون العمل دون راحة.

وأجرى الباحثون تجربة على مجموعة من المتطوعين طُلب منهم أداء مهام ذهنية تتطلب الإبداع، مثل ابتكار استخدامات جديدة لأشياء مألوفة كالطوب أو الورق أو الملعقة. وبعد انتهاء الجزء الأول من التجربة، تم السماح لبعض المشاركين بأخذ قيلولة قصيرة مدتها 15 دقيقة، بينما طُلب من المجموعة الأخرى البقاء مستيقظة. المفاجأة كانت في النتائج: المجموعة التي نالت قيلولة أظهرت أداءً إبداعياً أعلى بنسبة 40%، وتمكنت من إيجاد حلول أكثر مرونة وابتكاراً.

يُفسر العلماء هذه الظاهرة بأن القيلولة القصيرة تساعد الدماغ على الدخول في المرحلة الأولى من النوم، والتي تعرف باسم “مرحلة النعاس” أو “N1”، وهي فترة قصيرة تكون فيها الموجات الدماغية بطيئة نسبياً، ما يتيح للدماغ إعادة تنظيم المعلومات المخزنة وتحفيز الروابط الجديدة بينها. بمعنى آخر، في تلك اللحظات القصيرة من الغفوة، يعمل العقل بشكل خفيّ على معالجة ما تم التفكير فيه سابقاً وإعادة تركيبه بطرق غير متوقعة. وهذا بالضبط ما يفتح الباب أمام الأفكار المبدعة.

وتضيف الدراسة أن طول القيلولة له أهمية كبيرة. فالقيلولة القصيرة تمنح الدماغ دفعة من النشاط الذهني دون أن تدخل الجسم في حالة خمول كما يحدث في القيلولات الطويلة. فإذا تجاوزت فترة الغفوة 30 دقيقة، يدخل الإنسان في مراحل أعمق من النوم، ما يجعل الاستيقاظ بعدها صعباً ويؤدي إلى شعور بالثقل والنعاس. أما الغفوة القصيرة فهي كفيلة بإنعاش التركيز وتحفيز المزاج ورفع مستويات الطاقة دون أي آثار جانبية.

اللافت أيضاً أن تأثير القيلولة لا يقتصر على العاملين أو الطلاب، بل يشمل الفنانين والموسيقيين والكتّاب الذين يعتمدون على الإبداع في عملهم. فالكثير من الشخصيات المعروفة مثل ألبرت آينشتاين وتوماس إديسون كانوا يشددون على أهمية النوم القصير خلال اليوم كوسيلة لإعادة شحن الفكر. ويُذكر أن إديسون كان يأخذ قيلولات قصيرة متكررة أثناء عمله على اختراعاته، وكان يقول إنها تساعده على “رؤية الأمور من زاوية جديدة”.

ويشير الخبراء إلى أن أفضل وقت للقيلولة هو ما بعد الغداء مباشرة، بين الساعة الواحدة والثالثة ظهراً، وهي الفترة التي ينخفض فيها مستوى التركيز الطبيعي بسبب تراجع الطاقة بعد تناول الطعام. وينصح العلماء بالاستلقاء في مكان هادئ، مع ضبط منبّه للاستيقاظ بعد 15 أو 20 دقيقة، وعدم أخذ القيلولة في وقت متأخر من اليوم لتجنّب اضطراب النوم الليلي.

في النهاية، يبدو أن القيلولة القصيرة ليست رفاهية أو عادة كسل، بل ممارسة ذكية يمكن أن تُحدث فرقاً في مستوى الإبداع والإنتاجية. فبضع دقائق من النوم قد تكون كافية لتجديد الذهن، تنشيط الخيال، وفتح الأبواب أمام أفكار غير مسبوقة. إنها بمثابة زرّ إعادة تشغيل للدماغ، يسمح له بأن يعود أكثر صفاءً وابتكاراً مما كان قبل الغفوة.

خبر عاجل