.jpg)
قد تكون من مفارقات المصادفات الغريبة بل الساخرة، أن يرفع لبنان وتيرة مواجهته الديبلوماسية للاعتداءات والاختراقات الإسرائيلية للقرار 1701 واتفاق وقف الأعمال العدائية عبر احتكامه بالشكوى إلى مجلس الأمن الدولي اليوم، في اليوم نفسه الذي يصادف موعد الإحاطة الدورية لمجلس الأمن الدولي في شأن تنفيذ القرار الشهير 1559، بما يرسم الصورة الرمزية والعملية للتعقيدات المزمنة والمحدّثة التي يواجهها لبنان في رحلته الطويلة نحو استكمال سيادته الناجزة نهائياً. ذلك أن اليومين السابقين اللذين أعقبا “إعصار” الغارات الإسرائيلية على بلدة المصيلح، رفعا من وتيرة المخاوف اللبنانية إلى ذروتها حيال ما انبرت إليه إسرائيل بالنار الثقيلة الحارقة لإفهام “الحزب” في المقام الأول ومن ثم لبنان كله والدول المعنية بمساعدته ودعمه تالياً، بأنها تفصل وتعزل عزلاً تاماً كل مفاعيل “اتفاق غزة” الجاري تنفيذ المرحلة الأولى منه، عن الوضع في لبنان، حيث باتت المخاوف تزداد مشروعية من حيال ولوج البلد مرحلة تسخين متدحرجة خلافاً للمسار السلمي الموعود انطلاقاً من “سلم غزة”.
حجم الخسائر الفادحة الذي خلفته الغارات الإسرائيلية الحارقة على المصيلح لم يكن وحده المؤشر المثير للمخاوف من دلالات هذا التطور، بل أيضاً في كونها الغارات الأوسع على لبنان منذ اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 من جهة، وفي استهدافاته السياسية والميدانية من المقلبين الإقليمي واللبناني. إذ أن تدمير عدد غير مسبوق من الآليات في قطاع البناء بدا ترجمة لرسالة إسرائيلية واضحة بمنع البناء وإعادة الإعمار على نطاق واسع يتجاوز جنوب الليطاني. كما أن توقيت الغارات الأعنف وسط الاستعدادات لتظاهرة ديبلوماسية عالمية ستشهدها قمة شرم الشيخ اليوم احتفاء ببدء تنفيذ اتفاق غزة، شكّل الهدف الذي يفترض أن يقلق لبنان إلى حدود قصوى أيضاً. وما استقرأه معظم المراقبين والمعنيين من الغارات على المصيلح، أن إسرائيل أبلغت لبنان مباشرة عزل أي تأثيرات إيجابية لاتفاق غزة عن الوضع في لبنان، بمعنى ترك الميدان اللبناني مفتوحاً أمامها ما دام سحب السلاح تماماً ونهائياً من “الحزب” لم ينجز ولن ينجز قريباً. الأمر الذي يضع لبنان مجدداً أمام اختبار شديد الحرج والدقة. كما أن رفع وتيرة الاستعراضات والمزيدات والهجمات العبثية على الحكومة من جانب “الحزب” والمراجع “الصادحة” باسمه، كالمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان الذي راح يحرض على الدولة، كل ذلك لا يشكل إلا الوجه الأخطر المتمادي في فلش مزيد من الذرائع أمام إسرائيل وعرقلة مسار حصرية السلاح بيد الدولة.
وسط هذه الأجواء، اتصل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أمس بوزير الخارجية يوسف رجي، وطلب منه “تقديم شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن في شأن العدوان الإسرائيلي الأخير الذي استهدف منشآت مدنية وتجارية في المصيلح، بما يشكّل انتهاكًا فاضحًا للقرار 1701 ولترتيبات وقف الأعمال العدائية الصادرة في تشرين الثاني الماضي”. وعلى الاثر، طلب رجي من مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة تقديم شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة في شأن شن غارات إسرائيلية على مجموعة معارض خاصة بالجرافات والحفارات، وطلب نشر رسالة الشكوى وتوزيعها كوثيقة رسمية على الدول الأعضاء في المجلس.