#dfp #adsense

ترامب: لبنان في قلب التحوّل الإقليمي

حجم الخط

“في لبنان، خنجر الحزب الذي كان موجّهًا منذ زمن طويل إلى عنق إسرائيل قد تم تكسيره بالكامل. وإدارتي تدعم بنشاط الرئيس الجديد للبنان ومهمته في نزع سلاح الحزب بشكل دائم”. ـ دونالد ترامب، أمام الكنيست الإسرائيلي.

من على منبر الكنيست الإسرائيلي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوضوح أنّ المرحلة اللبنانية تغيّرت. فلبنان الذي كان يُنظر إليه لعقود كـ”جبهة متقدمة” في الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي، أصبح يُقدَّم اليوم كدولة تُمنح فرصة ثانية لاستعادة قرارها الوطني عبر مؤسساتها الشرعية، لا عبر التسويات الهشة أو السلاح الخارج عنها.

هذه الجملة القصيرة لم تكن مجرّد توصيفٍ سياسي، بل إعلانًا لتحوّل استراتيجي في نظرة واشنطن إلى لبنان ودورها في المنطقة.

 

من واشنطن إلى اليرزة: الدولة أولًا

التحرك الأميركي الأخير تجاه لبنان ليس تفصيلًا دبلوماسيًا، بل هو جزء من رؤية أشمل تهدف إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كمرجعية وحيدة للقرار والسيادة. ولهذا السبب، نقلت واشنطن مركز ثقل دعمها من القوى السياسية إلى المؤسسة العسكرية.

الجيش اللبناني بات اليوم القناة الوحيدة القادرة على توحيد القرار الوطني، وعلى تثبيت الاستقرار من دون انزلاق البلد إلى الفوضى. المساعدات تتزايد، التنسيق يشتد، والرهان الأميركي أصبح واضحًا: الجيش هو ضمانة بقاء لبنان، لا أي سلاح موازٍ له ولا أي محور خارجي.

 

الضرب في الخاصرة المالية

بالتوازي مع الدعم العسكري، يتقدّم المسار المالي كأحد أعمدة الاستراتيجية الجديدة. فالولايات المتحدة، بالتنسيق مع أوروبا ودول الخليج، تشنّ حربًا اقتصادية دقيقة على الأذرع المالية لـ”الحزب”، وتعمل على تجفيف شبكات التحويل والتهريب والتمويل غير الشرعي التي تغذّي بنيته الداخلية.

هذه الحرب الهادئة بدأت تؤتي ثمارها. فقد تراجعت قدرة “الحزب” على تمويل نشاطاته الميدانية، وتقلّصت مساحة المناورة المالية التي كانت تمنحه حرية الحركة السياسية والاجتماعية. إنها مرحلة جديدة: المال بعد السلاح ـ وهي تضرب في العمق أكثر مما تفعل القذائف.

 

إسرائيل: حرب النار الباردة

في المقابل، تمارس إسرائيل ضغطًا بالنار الباردة على “الحزب”. لم تعد تبحث عن حرب شاملة، بل عن حرب استنزاف طويلة الأمد تستهدف الأعصاب والهيبة أكثر مما تستهدف الجغرافيا. كل ضربة دقيقة، وكل استهداف محسوب، بات يُقرأ كرسالة سياسية لا عسكرية: أن ميزان الردع تغيّر، وأن الجنوب لا يمكن أن يبقى رهينة تهديدٍ مستمرّ.

تتلاقى هذه السياسة مع قناعة دولية متزايدة بأن الاستقرار الدائم في الجنوب لا يمكن أن يقوم إلا من خلال الدولة اللبنانية وحدها ـ الدولة التي تضبط السلاح وتحتكر القوة.

 

سقوط سردية “إعادة التسلّح”

وسط هذا المشهد، يبدو خطاب “الحزب” عن “إعادة بناء الهيكلية العسكرية” و”تعزيز الجبهة” محاولة دعائية دفاعية أكثر منها استراتيجية حقيقية. القدرات تتراجع، التمويل يضعف، والبيئة الداخلية تزداد قلقًا من ثمن المواجهة.

لقد تغيّر واقع السلاح الذي كان مصدر قوة بات عبئًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. والمعادلة الجديدة تقول بوضوح إن كل طلقة إضافية تعني عزلة أكبر، وكل تهديدٍ جديد يعني خسارة جديدة للثقة والشرعية.

ومع نهاية جولة غزة الأخيرة وتراجع حماس عن شروطها القصوى، يسقط عمليًا الغطاء العقائدي الذي طالما استند إليه “الحزب” تحت شعار “تحرير القدس”، معلنًا أفول زمن الوكالات الإيرانية في الإقليم.

 

دعم واشنطن للرئيس جوزيف عون: بين السيادة والسلام

حين قال ترامب إن إدارته تدعم “الرئيس اللبناني ومهمته في نزع السلاح”، كان الكلام يتجاوز البعد اللبناني الضيّق. ففي العمق، هو رسالة ضمن مشروع إقليمي أوسع، حيث تُطرح حصرية السلاح بيد الدولة كمدخلٍ لا فقط للسيادة، بل أيضًا للسلام الآمن مع الجوار.

بمعنى آخر، المطلوب دوليًا ليس فقط دولة منزوعة الميليشيا، بل دولة صالحة للاندماج في معادلة استقرار شرق أوسطٍ جديد ـ شرقٍ تُغلق فيه الجبهات ويُفتح فيه الاقتصاد.

بهذا المعنى، يصبح دعم واشنطن للرئيس جوزيف عون دعمًا مزدوج الهدف:

ـ من جهة، إعادة بناء الشرعية اللبنانية من داخل المؤسسات.

ـ من جهة ثانية، تهيئة الأرضية السياسية والأمنية لتفاهمات إقليمية أوسع تشمل الحدود الجنوبية والبيئة الأمنية على المدى الطويل.

هو دعم سيادي بظاهره، لكنه أيضًا أداة ضغط ناعمة لجرّ لبنان نحو موقع “الدولة المسالمة” لا “الدولة المقاتلة”. فالولايات المتحدة، ومعها شركاؤها العرب، ترى أن نهاية سلاح “الحزب” هي البداية الحقيقية لسلامٍ واقعي غير معلن، يحفظ أمن إسرائيل ويمنح لبنان فرصة البقاء كدولة قابلة للحياة.

 

بين المطرقة والفرصة

إنّ هذا التلاقي بين الدعم الأميركي والضغط الإسرائيلي يضع لبنان أمام مفترقٍ حاسم، فإما أن يلتقط اللحظة ويثبت أنه دولة قادرة على حماية نفسها من داخلها، وإما أن يبقى رهينة سلاحٍ لم يعد يحمي أحدًا.

الجيش يحظى بثقة المجتمع الدولي، والبيئة اللبنانية باتت أكثر وعيًا لثمن استمرار الازدواجية. ما ينقص اليوم هو قرار وطني صريح بأن لا شريك للدولة في سيادتها، وأن حماية لبنان لا تكون إلا من خلال مؤسساته. على الدولة أن تتوقف عن تقديم الخدمات المجانية لـ”الحزب”، وأن تحزم أمرها كدولة حقيقية لا كسلطة خائفة أو مترددة.

في الختام، من كلام ترامب على منبر الكنيست إلى بيروت، الرسالة واضحة: العالم مستعدّ لدعم لبنان، لكن عليه أن يبدأ أولًا بدعم ذاته كدولة لا كقضية. الشرعية لا تُستعاد بالخطابات، بل بالقرارات. والسيادة لا تُصان بالشعارات، بل باحتكار القوة الشرعية.

لقد انتهى زمن التذرّع بالمقاومة لتبرير العجز، وبدأ زمن المواجهة الهادئة بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا. فإمّا أن ينهض لبنان بدولته وجيشه ويكتب فصله الجديد في التاريخ، وإمّا أن يذوب إلى الأبد في معادلات الآخرين، حيث لا سيادة، ولا هوية، ولا دولة.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل