
فيما كان يُعتقد لسنوات أن الكرياتين هو مجرد مكمل غذائي مخصص لبناء العضلات وتحسين الأداء الرياضي، تكشف الأبحاث الحديثة أن فوائده تتجاوز صالات الرياضة بكثير، لتشمل الدماغ والقلب والجهاز العصبي. هذا التحوّل في النظرة العلمية نحو الكرياتين يعكس فهماً أعمق لدوره في العمليات الحيوية داخل الخلايا، حيث يُعدّ من أبرز المركّبات المسؤولة عن إنتاج الطاقة وتجديدها في الجسم.
الكرياتين هو مركب طبيعي يُنتجه الكبد والكليتان، ويُخزَّن بشكل أساسي في العضلات، حيث يتحول إلى فوسفوكرياتين الذي يعمل كمخزن للطاقة السريعة. إلا أن الدماغ والقلب يحتويان أيضاً على مخازن من هذا المركب، ويستخدمانه لتغذية خلاياهما بالطاقة في فترات الضغط الشديد أو نقص الأكسجين. من هنا، بدأت الدراسات تركز على تأثير الكرياتين في تعزيز وظائف الدماغ وحماية القلب من الإجهاد التأكسدي.
تشير أبحاث حديثة نُشرت في مجلات علمية متخصصة إلى أن مكمل الكرياتين يمكن أن يساعد في تحسين الذاكرة قصيرة المدى والتركيز، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يتعرضون للإجهاد الذهني أو قلة النوم. فقد لاحظ العلماء أن متطوعين تناولوا 5 غرامات من الكرياتين يومياً لمدة أسبوعين أظهروا أداءً أفضل في اختبارات التفكير والسرعة الذهنية مقارنةً بآخرين لم يتناولوه. ويُرجع الباحثون هذه النتائج إلى قدرة الكرياتين على تزويد خلايا الدماغ بطاقة إضافية، مما يعزز الاتصال العصبي ويساعد على مقاومة التعب الذهني.
أما على المستوى القلبي، فيُعتقد أن الكرياتين قد يلعب دوراً في حماية عضلة القلب من التلف الناتج عن نقص التروية أو الإجهاد المزمن. فالقلب، شأنه شأن العضلات الأخرى، يحتاج إلى طاقة فورية لضخ الدم بشكل مستمر، والكرياتين يوفّر مصدراً سريعاً لتلك الطاقة عند الحاجة. بعض الدراسات الأولية أظهرت أن مكملات الكرياتين قد تُقلل من تراكم الجذور الحرة في عضلة القلب وتحسّن كفاءتها الوظيفية، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف في الدورة الدموية أو من أمراض القلب المزمنة.
ومن المثير أن الأبحاث الجديدة بدأت تربط الكرياتين بصحة نفسية أفضل. فهناك أدلة متزايدة على أن هذا المكمل قد يخفف من أعراض الاكتئاب لدى بعض الحالات، خاصة عند النساء، بفضل دوره في تنظيم توازن الطاقة داخل الخلايا العصبية وتحسين حساسية المستقبلات العصبية المسؤولة عن المزاج. ويعتقد بعض العلماء أن الكرياتين قد يصبح جزءاً من العلاجات المساندة للاضطرابات النفسية في المستقبل، بعد التحقق الكامل من أمانه وفعاليته في هذا المجال.
رغم ذلك، يشدد الخبراء على ضرورة الالتزام بالجرعات الموصى بها وعدم الإفراط في تناوله. فالجرعة المعتادة تتراوح بين 3 إلى 5 غرامات يومياً، ويُنصح بتناوله مع وجبة تحتوي على الكربوهيدرات لزيادة امتصاصه. كما يجب على الأشخاص الذين يعانون من أمراض الكلى أو يتناولون أدوية معينة استشارة الطبيب قبل استخدامه.
في المحصلة، يبدو أن الكرياتين لم يعد مجرد “مكمل للرياضيين”، بل مكوّن أساسي في منظومة دعم الطاقة الحيوية للجسم كله، من العضلات إلى الدماغ والقلب. ومع تزايد الأبحاث التي تؤكد فوائده الواسعة، يُتوقع أن يتحول إلى أحد أبرز المكملات الداعمة للصحة العامة والذهنية في السنوات المقبلة، شرط استخدامه بعقلانية وضمن إطار نمط حياة صحي متوازن.
