يتهيّأ الوزير السابق جبران باسيل لزيارة باريس يوم الأحد المقبل، للمشاركة في القدّاس الإلهي في كنيسة سيّدة لبنان. غير أنّ ما يدور خلف الكواليس ليس محض مشاركة روحية صافية، بل محاولة مكشوفة لاستثمار المناسبة الدينية في استعراضٍ سياسيٍ مفضوح، يراد منه إحياء صورةٍ باهتة، وبثّ وهمٍ بأنّ الرجل لا يزال يتمتّع بحضورٍ وشعبية بين أبناء الاغتراب اللبناني.
لقد أطلق باسيل وأجهزته الحزبية خلال الأيام الماضية حملة حشد منظّمة تهدف إلى ملء الكنيسة بالحشود، كي تلتقط الكاميرات مشهدًا يوحي بأنّ “الزعيم” محاطٌ بجماهيره حتى في المهجر. لكن الحقيقة التي يعرفها كل مغترب لبناني، أن هذه الحشود ليست تعبيرًا عن تأييدٍ حيّ، ربّما هي نتاج تعبئة ظرفية، أو أنّها فقط من زوّار الكنيسة وأبناء الرّعية الذّين يحضرون كلّ أحدٍ الى القداس ولا علاقة لها بباسيل، بل تأتي فقط حباً للمسيح وللذبيحة الإلهية.
على باسيل، قبل أن يقف أمام هذا الجمع، أن يطرح على نفسه السؤال الجوهري الذي يحاول القفز من فوقه:
من الذي دفع عشرات الآلاف من خيرة شباب لبنان إلى الهجرة؟
من الذي حوّل باريس وسائر العواصم الأوروبية إلى ملاذٍ اضطراري لأجيالٍ كاملة من اللبنانيين؟
أليس في عهد عمه ميشال عون، وبشراكته المباشرة في الحكم، انفجرت موجات الهجرة الكبرى، وسُدّت أبواب الأمل في وجه الشباب، وانفجرت الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية على نحوٍ غير مسبوق؟
كيف يتجرّأ اليوم على الوقوف أمام هؤلاء، وكأنّه لم يكن شريكًا في المنظومة التي هجّرتهم قسرًا؟ بل كيف يجرؤ على الإيحاء بأنه زعيمٌ للمغتربين، فيما هم في الحقيقة ضحايا عهده السياسي، لا أنصاره؟
ثمّ إنّ السؤال الثاني، وهو أشدّ وقعًا: حين كان باسيل وزيرًا للخارجية طوال سنواتٍ عديدة، ماذا فعل لوقف نزيف الهجرة أو لاستعادة المنتشرين؟
الجواب معروف: لا شيء. بل إنّ أعداد المهاجرين ازدادت في عهده، وفُقدت الثقة بالدولة أكثر من أي وقت مضى. لقد تحوّل دور الوزارة التي تولاها إلى منبر لترويج سلطةٍ فاشلة، لا إلى جسرٍ يربط المغترب بوطنه.
من هنا، إنّ زيارة باسيل إلى باريس لا يجب أن تكون مناسبةً لالتقاط الصور أو صناعة مشهدٍ إعلامي مزيّف، بل يجب أن تكون وقفة اعتراف علني أمام اللبنانيين في المهجر. عليه، إن كان يمتلك ذرة من الجرأة، أن يعتلي منبر الكنيسة لا ليلقي خطابًا استعراضياً، بل ليقول بصدق: “أخطأنا، فشلنا، وكنتم أنتم الثمن”.
فليعلم جبران باسيل أنّ نهار الأحد، في كتدرائية سيّدة لبنان- باريس ، لن يصفّق له التاريخ، بل سيطالبه بالاعتذار.
ولن تُنقذه الحشود، بل سيُحاكمه وجدان المغتربين الذي لا يُشترى ولا يُخدع.
فاليعتذر، علّه يبدأ من هناك رحلة مواجهة الذات، قبل أن يحاول مجددًا مواجهة الناس.
.jpg)