
كشفت دراسة حديثة في علم السلوك الحيواني عن اكتشاف مدهش يتعلق بقدرات التواصل لدى قرود المورسيت، إذ تبين أن هذه الكائنات الصغيرة لا تُصدر أصواتاً عشوائية كما كان يُعتقد سابقاً، بل تستخدم “أسماء صوتية” مميزة لكل فرد في المجموعة، تماماً كما يفعل البشر عند مناداة بعضهم البعض. هذا الاكتشاف يُعيد تشكيل فهمنا لتطور اللغة والتواصل الاجتماعي في عالم الحيوان، ويقترح أن جذور اللغة البشرية قد تكون أعمق بكثير مما كنا نتصور.
بحسب فريق الباحثين في جامعة زيورخ السويسرية، تم تسجيل آلاف النداءات الصوتية لقرود المورسيت التي تعيش في الغابات الاستوائية بأمريكا الجنوبية، وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتعرف إلى الأنماط الصوتية الدقيقة. فكانت النتيجة أن كل قرد يمتلك ما يشبه “توقيعاً صوتياً” ثابتاً يستخدمه الآخرون لمناداته، وهو يختلف عن الأصوات الصادرة في سياقات أخرى مثل التحذير من الخطر أو البحث عن الطعام. والأكثر إثارة أن هذه القرود قادرة على تمييز تلك “الأسماء” حتى عندما تصدر من أفراد لم تلتقِ بهم منذ فترة طويلة، ما يشير إلى ذاكرة صوتية متطورة وشكل من أشكال الوعي الاجتماعي.
لاحظ العلماء أيضاً أن القرود لا تكرر فقط نداءات الآخرين، بل تُظهر قدرة على تعديل الأصوات بما يتناسب مع الموقف. فعلى سبيل المثال، عندما ينادي أحدهم زميلاً قريباً، يكون النداء أقصر وأكثر حدة، بينما يصبح أطول وأوضح عندما يكون القرد المقصود بعيداً أو خلف الأشجار. هذا التكيّف في النغمة وطول الصوت يُظهر مستوى من التعقيد اللغوي يشبه إلى حدّ ما قدرة الإنسان على تغيير نبرته عند التحدث من مسافة أو عبر الهاتف.
ويعتقد الباحثون أن هذا النوع من التواصل الصوتي الشخصي يمنح المورسيت ميزة اجتماعية مهمة، إذ يساعدها على الحفاظ على الروابط داخل المجموعة وتنظيم التحركات والتعاون أثناء البحث عن الطعام أو الحماية من المفترسين. ففي المجتمعات الحيوانية المعقدة، يُعتبر التعرف على الأفراد أمراً أساسياً لتجنّب الصراعات وتعزيز الثقة المتبادلة، واستخدام “أسماء” خاصة يوفّر آلية ذكية لتحقيق ذلك.
إضافة إلى ذلك، رصد العلماء أن صغار المورسيت لا تولد وهي تعرف هذه الأسماء، بل تتعلمها تدريجياً من خلال التفاعل مع الأفراد الأكبر سناً، في عملية تشبه تعلم الأطفال للنطق والكلام. ويشير هذا السلوك إلى وجود شكل من أشكال “النقل الثقافي” بين الأجيال، وهو عنصر نادر في عالم الحيوان ويُعد من خصائص الأنواع الذكية.
هذا الاكتشاف يُفتح الباب أمام تساؤلات علمية جديدة حول كيفية تطور اللغة عند الإنسان، وما إذا كانت هذه القدرات التواصلية لدى المورسيت تمثل مرحلة بدائية من نفس المسار التطوري الذي قاد البشر إلى تطوير الكلام. فوجود أنظمة صوتية رمزية محددة المعنى لدى حيوانات اجتماعية أخرى يدعم فرضية أن اللغة ليست حدثاً فريداً في تاريخ البشرية، بل تطور تدريجي شاركت فيه أنواع متعددة.
ويأمل العلماء في توسيع نطاق الدراسة لتشمل أنواعاً أخرى من الرئيسيات، مثل القردة العليا والليمورات، لمعرفة ما إذا كانت تمتلك أنظمة صوتية مشابهة. فكلما تعمّق العلم في فهم كيفية تواصل الحيوانات، كلما اقترب من الإجابة عن سؤال طالما شغل الفلاسفة والبيولوجيين: كيف بدأت اللغة؟ يبدو أن قرود المورسيت، بتغريداتها الصغيرة، تحمل جزءاً من الجواب.