شهد قطاع غزة يوم أمس سلسلة خروقات إسرائيلية لاتفاق الهدنة الذي دخل حيز التنفيذ منذ يوم الجمعة الماضي، ما أعاد التوتر إلى الميدان وأثار مخاوف من انهيار التفاهمات التي جرى التوصل إليها بوساطة دولية بعد حرب استمرت عامين. وقد تركزت الخروقات بشكل خاص في حي الشجاعية شرق مدينة غزة ومنطقة خان يونس جنوب القطاع، حيث سُجلت عمليات قصف وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية. في هذا السياق، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم الأربعاء، أن الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى داخل القطاع، مؤكداً أن قواته “تعمل وفق تعليمات واضحة وصارمة” لضمان تنفيذ سياسة أمنية محددة على طول ما وصفه بـ “الخط الأصفر”، الذي يشمل أكثر من 50% من أراضي غزة.
قال كاتس في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية:
“يعمل الجيش وفقاً للتعليمات ويطبق سياسة تأهب واضحة لا لبس فيها، وسيتم الرد فوراً على أي خرق أو محاولة تجاوز للاتفاق.”
أشار الوزير إلى أن الجيش أحبط عدة محاولات “إرهابية” – بحسب تعبيره – من قبل مجموعات حاولت الاقتراب من مواقع القوات الإسرائيلية أمس الثلاثاء، مؤكداً أن سياسة الرد الفوري ستبقى قائمة طالما استمرت التهديدات قرب خطوط التماس.
سقوط ضحايا في الشجاعية وخان يونس
ميدانياً، أفادت مصادر فلسطينية بأن خمسة فلسطينيين قُتلوا في اعتداءات إسرائيلية جديدة، حيث استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية منطقة خان يونس، ما أدى إلى مقتل شخص على الأقل، فيما قُتل أربعة آخرون في قصف مدفعي على حي الشجاعية شرق مدينة غزة.
كما ذكرت مصادر محلية أن الآليات الإسرائيلية أطلقت النار شمال غربي رفح جنوبي القطاع، في خرق إضافي للاتفاق الذي كان يفترض أن يضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار والتحركات العسكرية.
وفي بيان لاحق، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه أطلق عيارات تحذيرية بعدما “اقتربت مجموعات فلسطينية من مواقع قواته”، زاعماً أن الهدف كان “منع أي محاولة لاختراق خطوط التماس أو تهديد القوات المتمركزة هناك”.
اتفاق هش بعد حرب مدمرة
يُذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم الجمعة الماضي، جاء بعد عامين من الحرب الدامية التي خلّفت دماراً هائلاً في البنية التحتية لقطاع غزة ومئات الآلاف من النازحين. وتم التوصل إليه بعد جولات طويلة من المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحركة حماس عبر وسطاء من مصر وقطر والولايات المتحدة.
وينص الاتفاق على تنفيذ انسحابات تدريجية للقوات الإسرائيلية من داخل القطاع على مراحل، مقابل ضمانات أمنية إسرائيلية وتسهيلات إنسانية للفلسطينيين.
وفي المرحلة الأولى، انسحبت القوات الإسرائيلية من مدينة غزة وبعض مناطق شمال القطاع وجنوبه، إلا أن مصادر ميدانية أكدت أن الجيش الإسرائيلي ما زال يسيطر على نحو 53% من مجمل مساحة القطاع، بما في ذلك مناطق حدودية حساسة شرق غزة وجنوب خان يونس.
مخاوف من انهيار الهدنة
تأتي هذه التطورات وسط تحذيرات من أن تكرار الخروقات الإسرائيلية قد يؤدي إلى تقويض الاتفاق الهش، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية المحدودة داخل مناطق يفترض أنها خاضعة للانسحاب، في حين تتهم إسرائيل حماس بـ”محاولات خرق صامتة” من خلال نشر مجموعات استطلاع قرب نقاط التماس.
ويرى مراقبون أن التصعيد المحدود المتبادل خلال الأيام الأخيرة يعكس هشاشة التفاهمات وصعوبة تثبيت الهدنة في ظل انعدام الثقة بين الطرفين، في وقت لم تبدأ فيه بعد المرحلة الثانية من الاتفاق التي تتضمن إعادة الإعمار وتبادل الأسرى.
وبينما تواصل الأطراف الدولية الضغط لتثبيت التهدئة، يبقى الوضع الميداني في غزة قابلاً للانفجار في أي لحظة إذا استمرت الخروقات، ما يهدد بعودة العنف إلى نقطة الصفر بعد عامين من الصراع الدامي.
