.jpg)
أظهرت دراسة فنلندية حديثة أن تناول حبوب الشوفان بانتظام يمكن أن يخفف من مستويات القلق ويُحسّن المزاج العام بفضل احتوائها على مركّبات طبيعية تساعد الدماغ على إنتاج مواد كيميائية مرتبطة بالراحة النفسية. ونُشرت نتائج البحث في مجلة Nutrients، حيث أكّد العلماء أن الشوفان ليس فقط مصدراً مهماً للألياف والمعادن، بل يمتلك أيضاً خصائص تؤثر مباشرة في الجهاز العصبي من خلال دعم التوازن الهرموني والمناعي في الجسم.
أجريت الدراسة على مجموعة من المتطوعين تراوحت أعمارهم بين 20 و50 عاماً، خضعوا لاختبارات نفسية وبيوكيميائية قبل وبعد تناولهم وجبات يومية تحتوي على الشوفان الكامل لمدة ثمانية أسابيع. وأظهرت النتائج انخفاضاً في مؤشرات القلق والتوتر بنسبة تقارب 25%، إلى جانب تحسن جودة النوم وزيادة الشعور بالراحة والتركيز. وفسّر الباحثون هذا التحسّن بوجود مركّب يُعرف باسم بيتا غلوكان (β-glucan)، وهو نوع من الألياف القابلة للذوبان التي تساعد في تنظيم سكر الدم وتوازن الميكروبيوم المعوي، ما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية.
وأوضح فريق البحث أن العلاقة بين الأمعاء والدماغ — المعروفة باسم “المحور المعوي-الدماغي” — تلعب دوراً محورياً في تفسير هذه النتائج. فحين تتحسن صحة الأمعاء، ينخفض إفراز الهرمونات الالتهابية وتزداد قدرة الجسم على إنتاج السيروتونين، وهو الناقل العصبي الذي يُعرف باسم “هرمون السعادة”. ويُعد الشوفان من أبرز الأطعمة التي تساهم في تغذية البكتيريا المفيدة المسؤولة عن هذا التوازن العصبي-المناعي.
إضافة إلى ذلك، يحتوي الشوفان على كميات ملحوظة من المغنيسيوم وفيتامين B6، وهما عنصران أساسيان في تنظيم النشاط العصبي والهرموني. فالمغنيسيوم، على سبيل المثال، يقلّل من إفراز الكورتيزول، وهو هرمون التوتر، بينما يساهم فيتامين B6 في تعزيز تحويل التريبتوفان إلى سيروتونين داخل الدماغ. كما يحتوي الشوفان على مركّبات “الأفنانتراميد” (Avenanthramides) المضادة للأكسدة، التي تقلل من الالتهابات العصبية وتحمي الخلايا من التلف الناتج عن الإجهاد التأكسدي.
وأشار الباحثون إلى أن تناول الشوفان ضمن نظام غذائي متوازن يمكن أن يكون بديلاً طبيعياً فعّالاً لبعض المكملات المهدئة أو مضادات القلق الخفيفة، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من توتر مزمن مرتبط بنمط الحياة السريع. ونصحوا بتناوله في وجبة الفطور أو كوجبة خفيفة مع الحليب أو اللبن الزبادي، لضمان امتصاص أفضل للمغذيات وتحقيق تأثير مستدام على المزاج والطاقة طوال اليوم.
من جهة أخرى، يرى خبراء التغذية أن فوائد الشوفان تتجاوز الصحة النفسية لتشمل تحسين صحة القلب والمناعة وضبط الوزن، بفضل محتواه الغني بالألياف والبروتينات النباتية. لكنهم يشددون على ضرورة اختيار الأنواع غير المعالجة أو المحلاة، لأن السكريات المضافة في الشوفان الصناعي قد تلغي جزءاً من فوائده النفسية عبر زيادة تقلبات سكر الدم.
تؤكد هذه النتائج أن الغذاء يمكن أن يكون علاجاً حقيقياً للعقل، وأن الأطعمة البسيطة مثل الشوفان قد تحمل تأثيرات توازي الأدوية في بعض الحالات الخفيفة من القلق أو التوتر. فبدلاً من البحث عن حلول سريعة في العقاقير، يمكن للعودة إلى عناصر طبيعية كالحبوب الكاملة أن تعيد للجسم توازنه العصبي والمزاجي. وفي زمن تتزايد فيه اضطرابات القلق حول العالم، يبدو أن كوباً دافئاً من الشوفان قد يكون بداية يوم أكثر هدوءاً وصفاءً مما نتصور.