
كشف باحثون عن آلية جديدة توضح كيف تؤثر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، خصوصاً تلك الناتجة عن أدوات المائدة البلاستيكية، على جودة الحيوانات المنوية والقدرة الإنجابية لدى الرجال، في اكتشاف يسلّط الضوء على خطر بيئي وصحي متصاعد يهدد الخصوبة البشرية حول العالم.
انخفاض مقلق في الخصوبة الذكرية عالميًا
تأتي هذه الدراسة في وقت تشير فيه الإحصائيات إلى تراجع سنوي مقلق في عدد الحيوانات المنوية يتراوح بين 1% و2.6% على مستوى العالم. وبينما كانت عوامل نمط الحياة مثل السمنة، التوتر، التدخين، وسوء النظام الغذائي تُعدّ الأسباب الرئيسية لهذا الانخفاض، فإنّ الملوثات البيئية، وعلى رأسها الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (Microplastics)، بدأت تبرز كعامل مؤثر جديد لا يقل خطورة.
تحليل بشري شامل: 200 عينة من رجال في سن الإنجاب
اعتمد الفريق البحثي على دراسة ميدانية شملت 200 رجل في سن الإنجاب، حيث جرى تحليل عينات السائل المنوي لديهم مع تقييم دقيق لعادات استخدام الأدوات البلاستيكية في حياتهم اليومية.
وأظهرت النتائج أن 55.5% من عينات السائل المنوي احتوت على جسيمات بلاستيكية دقيقة، خصوصاً لدى الذين يستخدمون أدوات المائدة البلاستيكية بشكل متكرر، ما يشير إلى علاقة واضحة بين التعرض اليومي للبلاستيك وجودة الحيوانات المنوية.
تجربة على الفئران لتأكيد التأثير
وللتعمق في فهم آلية الضرر، أجرى الباحثون تجارب على الفئران باستخدام جسيمات بوليستيرين دقيقة بحجم 50 نانومتر. وأسفرت النتائج عن انخفاض في تركيز الحيوانات المنوية بنسبة 33%، وتراجع في حركتها بمعدل 21%، إلى جانب ارتفاع نسبة التشوهات في شكلها ووظيفتها.
هذه النتائج، بحسب الفريق العلمي، تؤكد أن الجسيمات البلاستيكية لا تقتصر على التلوث البيئي، بل يمكن أن تتسلل إلى أنسجة الجسم الحساسة وتؤثر بشكل مباشر في الوظائف الحيوية المرتبطة بالخصوبة.
الآلية الجزيئية: سلسلة إنذارات خلوية مدمّرة
أظهرت التحاليل الجزيئية أن الضرر الذي تسببه الجسيمات البلاستيكية الدقيقة لا يتمثل فقط في تواجدها داخل الخلايا، بل في اختراقها لنظام الاتصالات الداخلي للخلايا عبر سلسلة معقدة من الإشارات تعرف باسم FOXA1/MAP3K1/p38.
فعندما تتعرض الخلية للجسيمات البلاستيكية، تستقبل بروتينات FOXA1 – التي تعمل كمستشعرات خلوية – إشارات الخطر، فتنشط بروتينات MAP3K1 التي تمثل مركز التحكم في الاستجابة. ومن هناك، تنتقل الإشارات إلى بروتين p38، الذي يعمل كـ”جهاز إنذار” يطلق سلسلة من الأوامر الطارئة عبر بروتين p-c-fos.
نتيجة لذلك، تُخطئ الخلايا في تفسير هذه الإشارات، فـتدخل في حالتين مدمرتين:
الالتهام الذاتي (Autophagy)، حيث تبدأ الخلية في هضم مكوناتها الحيوية.
الموت المبرمج (Apoptosis)، وهو انتحار خلوي يؤدي إلى تدمير البنية المنتجة للحيوانات المنوية.
بهذا، يتحول النظام الدقيق لإنتاج الحيوانات المنوية إلى “ورشة مليئة بالأعطال” بدلاً من خط إنتاج منظم، ما يفسر انخفاض العدد، ضعف الحركة، وزيادة التشوهات.
تحذير صحي ودعوة لسياسات بيئية صارمة
تشكل نتائج الدراسة تحذيراً علمياً واضحاً من المخاطر الإنجابية المرتبطة بالتعرض اليومي للبلاستيك، خصوصاً عبر الأدوات المستخدمة في الطعام والشراب.
ودعا الباحثون إلى تبنّي سياسات صحية وبيئية أكثر صرامة للحد من استخدام المواد البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد، وتشجيع البدائل الآمنة كالأدوات المعدنية أو الزجاجية.
كما شددوا على ضرورة إجراء أبحاث طويلة الأمد لتقييم التأثيرات التراكمية للجسيمات البلاستيكية الدقيقة على الجهاز التناسلي، وعلى صحة الأجيال المقبلة، في ظل القلق المتزايد من تراجع الخصوبة الذكرية عالميًا.
