.jpg)
لم يعد “الحزب” يدرك من أين تأتيه الرياح المعاكسة. راهن كثيراً على خلاف “ثنائي عون ـ سلام”، حاول مراراً حفر “خنادق عميقة” بين السراي وبعبدا، ساعياً إلى عرقلة “الدولة العائدة” ما أمكن وكسب مزيد من الوقت، علَّ الظروف تتبدَّل بـ”أعجوبة” ما تُنقذ “دويلته” من الغرق وسط الأمواج العاتية الزاحفة إليه. لكن رهان “الحزب” على انفصال “ثنائي عون ـ سلام”، فشل، بل إن التطورات الأخيرة دفعت هذا الثنائي إلى مزيد من التنسيق، وصولاً، وفق معلومات مؤكدة، إلى بدأ البحث بخطة عملية لملاقاة التطورات في المنطقة، بعد قمة شرم الشيخ وقراراتها المفصلية، باتجاه تثبيت دعائم “عودة الدولة”، والدعامة الأولى التي يدركها “الحزب” جيداً تتمثل بكلمتين لا شك أنهما تنزلان عليه كـ”النار الحارقة”، “نزع السلاح”.
ثمة ما يعيد تعزيز الأمل في نفوس اللبنانيين التوّاقين إلى “عصر الدولة والمؤسسات”، لأن “الحزب” مأزوم وحائر وضائع لا يعرف كيف يتعامل مع التطورات الحاصلة. عالق هو بين “شاقوفين”؛ “البيئة” القلقة و”ثنائي عون ـ سلام”، لذلك يلجأ إلى تصعيد خطابه والتشبث بسلاحه لحرف الأنظار عن مأزقه، ولمحاولة شد عصب بيئته وذر الرماد في عيونها للتعمية عن هذا المأزق. فكلما صعَّد “الحزب” من نبرة خطابه، يعني أنه مأزوم ووضعيته تراجعية، وبالتالي، على اللبنانيين أن يشعروا بمزيد من الاطمئنان، وذلك وفق “القاعدة الذهبية” التي تقول، “كلما تراجعت الدويلة، يعني أن الدولة تتقدم”.
يتوجَّس الحزب “شراً” من “ثنائي عون ـ سلام” بعدما مُنيت محاولاته للفصل بينهما بالفشل، وطبعاً وفق منظور “الحزب” للشر، انطلاقاً من توجّسه من أن أي خطوة على مسار “استعادة الدولة” هي تهديد مباشر لدويلته. فمجرد التركيز على لازمة “استعادة الدولة” يعني أنها مخطوفة، ويعني أكثر أن الخاطف معروف ومعلوم، هو تحديداً، وبالتالي من المفهوم أن ينزعج “الحزب” من “استعادة الدولة” والتي عاد رئيس الحكومة نواف وسلام وذكّر بها مجدداً بالأمس من صيدا، مؤكداً أن “مشروعنا بسيط في الحكومة وهو استعادة الدولة.. وملتزمون بحصر السلاح في يد الدولة وبمسيرة الإصلاح”.
“الحزب” لا يشعر بالارتياح إلى عودة التنسيق “المركّز” بين “ثنائي عون ـ سلام”، بظل المعلومات التي لا شك أنها وصلته، بأن هذا الثنائي شرع في البحث بخطة المرحلة المقبلة لملاقاة التطورات وقمة شرم الشيخ تحت عنوان، “مسار التفاوض” مع إسرائيل، لأن لبنان لا يمكنه أن يبقى على رصيف الانتظار إزاء هذه التطورات وخارج مسار تسويات الأزمات القائمة في المنطقة.
ما يضاعف مخاوف “الحزب”، أن رهانه على “البيئة الشيعية” التي يحاول اختصارها بالكامل عبر حملات التجييش والتخويف بأنها مستهدفة من الجميع، قد لا يكون مضموناً كما كان يظن، إذ يرى أن أصوات الاعتراض والنقمة والغضب ترتفع داخلها. فذاك المواطن الجنوبي من قرى الحافة الحدودية، الذي رفع صوته غاضباً لأن خسائره بالاستهدافات الإسرائيلية بملايين الدولارات “وما حدا شافنا وما حدا قلّلي آلو.. شو هنّي ولاد سارة ونحنا ولاد هاجر؟”ـ ويقصد أبناء الست وأبناء الجارية، ربما يثير هواجس “الحزب” أكثر من الاستهدافات الإسرائيلية، لأنه يعني أن الأرض ليست ثابتة تحت قدميه، فيما الاعتداءات الإسرائيلية يمكن استخدامها لمزيد من التجييش أو لكتم الأصوات المرتفعة على حدٍّ سواء.
ليس هناك ما يُطمئن “الحزب” وهو يسمع جنوبياً آخر يصرخ “خسائري 6 مليون دولار.. ما حدا قللي مرحبا لا من الدولة ولا من الأحزاب”، وقد يكون مفهوماً أن يطالب أي مواطن الدولة عند أي أزمة يمرّ بها، مهما كانت، ويسأل “وينيي الدولة؟”، لكن الجديد اللافت أن المواطن الجنوبي بدأ يتجرأ ويسائل “الأحزاب” وبأعلى الصوت وأمام عدسات الكاميرات، ومن نافل القول إنه يصبّ غضبه ونقمته على “الحزب”، وربما بدرجة أقل على “حركة أمل” التي تتصاعد مطالبة الجنوبيين خصوصاً لها بوقف مسار “الانتحار الجماعي” الذي يقود “الحزب” الشيعة إليه، فبالتأكيد ليس المقصود بطبيعة الحال حزب “الكتلة الوطنية”، أو “حركة التغيير”، أو “حركة تحرر”، أو “حركة الاستقلال”، أو حركة “نحو الإنقاذ”.
هذه الأصوات الشيعية الغاضبة ليست يتيمة، فمواقع التواصل الاجتماعي تضجُّ “بتجرؤ” البيئة الشيعية على “الحزب” إثر المأساة التي ألحقها بها بإشعاله حرب الإسناد، وبعدما بدأت تتكشف أمامها كذبة الانتصارات والقوة الخارقة التي لا تُهزم، ليتبيَّن أن “الحزب” عند أول معركة جدّية بينه وبين إسرائيل وحين اتُّخذ القرار هو “أوهن من بيت العنكبوت”، غير قادر حتى على حماية قيادته و”قدس أقداسه”، فكم بالحري أن يكون قادراً على حمايتها أو حماية لبنان وردع إسرائيل أو غيرها؟.
ما يقلق “الحزب”، أن البيئة الشيعية بدأت تسأل، بل إن بعضها بدأ ينظر إلى “الحزب” بأنه بات هو المسبّب الأول للاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، برفضه تسليم سلاحه والتسليم بمنطق الدولة والمؤسسات، واستمراره في المكابرة والخضوع للإملاءات الإيرانية “كجندي وفيّ للولي الفقيه”، ولو ضحَّى بدماء الشيعة اللبنانيين، بل باللبنانيين جميعاً، وبدمار وخراب لبنان، فيما هو لا يتجرأ على الرد على الاستهدافات الإسرائيلية اليومية وسقوط العناصر والضحايا بالمئات، منذ اتفاقية وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني الماضي التي وقَّع عليها بعدما فوَّض “الأخ الأكبر”، والتي وصفها المراقبون بأنها اتفاقية ذلٍّ واستسلام تعكس مدى ضعفه وعجزه.
هذا ما يقضُّ مضاجع “الحزب”، وخصوصاً أنه معطوف على خناق دولي وإقليمي حاسم بحلّ جناحه العسكري، لكن بالدرجة الأولى، خناق محلي سيادي، فأكثر ما يزيده اختناقاً هو “تفلُّت” خطاب وموقف الدولة الرسمي من قبضته تدريجياً وبشكل متصاعد، تفلُّت “بطلاه” “ثنائي عون ـ سلام”، مدعومَين من أكثرية حكومية كبيرة. هذا الثنائي الذي راهن “الحزب” على إيقاع الوقيعة والقطيعة بين جناحيه، لكن “الحزب” يراقب اليوم بخشية كبيرة إعادة تثبيت دعائمه بين الرجلين، خصوصاً بعد قمة شرم الشيخ الأخيرة واتفاق إنهاء الحرب في غزة.
الغليان يعتمل داخل “البيئة الشيعية”، وكلما تعنَّت “الحزب” كلما ارتفعت درجة الغليان أكثر، لأن مستوى الاستهدافات سيرتفع حُكماً، بحسي كل المعطيات والمواقف الدولية والإسرائيلية المعلنة، للقضاء نهائياً على الجناح العسكري في “الحزب”، فيما الرسائل و”الوقائع” تشير إلى أن الاستهدافات لن توفّر “البيئة” المتعاونة معه.
“ثنائي عون ـ سلام” إلى مزيد من التنسيق في المرحلة المقبلة لوضع “تفاصيل” خطة “مسار التفاوض” التي باتت على طاولة البحث، إذ يدرك الرجلان أنهما إما ينجحان معاً أو يفشلان معاً، والمؤشرات والمعطيات مشجعة وتميل بشكل “طابش” باتجاه النجاح بظل الدعم المحلي والإقليمي والدولي. في وقت، يدرك “الحزب” تماماً أنه مهما كابر واستكبر وتعنَّت، مصير جناحه العسكري محتوم، الزوال، والطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من وضعيته هو بخضوعه الكامل لمنطق الدولة، قبل فوات الأوان.
