#adsense

اختراق في الحوسبة الكموميّة: تقليل “تصحيح الأخطاء” 100 مرة

حجم الخط

حقق العلماء في مجال الحوسبة الكموميّة اختراقاً علمياً قد يُغيّر مستقبل هذا المجال بالكامل، بعد أن أعلن فريق بحثي دولي عن تطوير تقنية جديدة تقلل من الحاجة إلى ما يُعرف بـ”تصحيح الأخطاء الكمومية” بمقدار يصل إلى مئة مرة. هذا الإنجاز، الذي نُشر في مجلة Nature Physics، يحمل اسم “التحمل الخوارزمي للأخطاء” أو (Algorithmic Fault Tolerance – AFT)، ويُعتبر نقلة نوعية نحو تحقيق حلم بناء حواسيب كمومية عملية وفعالة يمكنها أداء مهام تفوق قدرات الحواسيب الكلاسيكية بملايين المرات.

الحوسبة الكمومية، التي تعتمد على “البتات الكمومية” أو qubits بدل البتات التقليدية، تواجه منذ نشأتها تحدياً أساسياً: حساسية هذه البتات لأي اضطراب في البيئة المحيطة، كالتغير في درجة الحرارة أو الضوضاء الكهرومغناطيسية، مما يجعل الأخطاء في العمليات الحسابية أمراً شبه دائم. ولهذا السبب، كان العلماء يعتمدون على أنظمة تصحيح الأخطاء المعقدة، التي تتطلب آلاف البتات الفيزيائية لتشكيل “بت منطقي” واحد قادر على العمل بشكل مستقر، وهو ما يجعل بناء حاسوب كمومي واسع النطاق مهمة ضخمة ومكلفة.

لكن التقنية الجديدة، التي طوّرها باحثون من جامعة واترلو الكندية بالتعاون مع مختبرات من اليابان والولايات المتحدة، تعتمد على نهج مختلف تماماً. فبدلاً من تصحيح الأخطاء بعد وقوعها، يقوم النظام بتصميم الخوارزميات نفسها بطريقة تجعلها أقل عرضة للتأثر بالأخطاء أثناء التنفيذ. بعبارة أخرى، تم تحويل التحمّل للأخطاء من “العتاد” إلى “البرمجيات”، مما يقلل بشكل هائل من الحاجة إلى موارد تصحيح الأخطاء التقليدية.

يشرح البروفيسور دانييل كايزر، أحد المشاركين في البحث، أن الفكرة تشبه إلى حدّ ما بناء طريق جديد بدلاً من إصلاح الحفر الموجودة في الطريق القديم. فبدلاً من مراقبة كل خطوة ومحاولة تصحيحها، تُصمَّم الخوارزمية بحيث تتجنب أساساً الظروف التي قد تولّد الأخطاء. وبهذه الطريقة، يصبح بالإمكان استخدام عدد أقل من البتات لتشغيل الحسابات الكمومية، ما يفتح الباب أمام أجهزة كمومية أصغر حجماً وأقل تكلفة وأكثر استقراراً.

النتائج الأولية كانت مدهشة، إذ أظهر الفريق أن التقنية الجديدة تسمح بتنفيذ عمليات كمومية معقّدة بدقة أعلى بمرتين إلى خمس مرات مقارنة بالتقنيات الحالية، مع خفض الحاجة إلى تصحيح الأخطاء بنسبة تصل إلى 99%. هذا يعني أن بعض الحواسيب الكمومية الموجودة حالياً، مثل أنظمة IBM وD-Wave، قد تتمكن من تشغيل خوارزميات كانت في السابق مستحيلة من دون تطوير عتاد جديد.

ويؤكد الخبراء أن هذا التطور يسرّع بشكل كبير الجدول الزمني لتحقيق “التفوق الكمومي الكامل”، وهو المرحلة التي يصبح فيها الحاسوب الكمومي قادراً على أداء عمليات لا يمكن لأي حاسوب تقليدي تنفيذها خلال فترة زمنية معقولة. فبدلاً من الانتظار لعقدين آخرين للوصول إلى تلك المرحلة، قد تختصر هذه التقنية الزمن إلى خمس سنوات فقط، وفق تقديرات بعض المختبرات.

كما أن تطبيقات هذه القفزة لا تقتصر على المجال الأكاديمي فحسب، بل تمتد إلى قطاعات حيوية مثل تصميم الأدوية، وتحليل المواد المتقدمة، وتطوير الذكاء الاصطناعي، وحل المعادلات المعقدة في مجالات التمويل والمناخ والطاقة النووية. تخيّل مثلاً قدرة الحواسيب الكمومية على محاكاة جزيئات الأدوية بدقة ذرية خلال ساعات بدل شهور، أو تحسين شبكات الطاقة العالمية عبر نماذج لا يمكن للأنظمة الحالية التعامل معها.

ورغم الحماس الكبير، يحذر العلماء من أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الوصول إلى حواسيب كمومية “خالصة” يمكن الاعتماد عليها تجارياً. فالتحدي الآن هو اختبار هذه التقنية الجديدة على نطاق واسع وضمان توافقها مع مختلف أنواع العتاد الكمومي. لكن ما يتفق عليه الجميع هو أن هذا الاختراق يمثل خطوة هائلة إلى الأمام، وأن تقليل الحاجة لتصحيح الأخطاء بمئة مرة يعني أننا نقترب فعلاً من لحظة دخول الحوسبة الكمومية عصرها الحقيقي.​

خبر عاجل